تؤكد الثورة السورية فرادتها وكينونتها باطّراد لا يُضاهى.
محرّكاتها تعمل وفق نمط آلي يشبه الآلة الألمانية المعروفة بأنها كلّما اشتغلت ازدادت متانة ومفعولاً.
ومن سوء حظ السلطة الأسدية وحسن حظ سوريا، ان أهل الثورة يناطحون الجبال بمنطق الجبال، ويواجهون مصيرهم من دون أوهام، ويعرفون مسبقاً وسلفاً الأثمان المستحيلة المطلوبة منهم في مقابل حريتهم وتحررهم.. يردّون على إقفال الدنيا في وجوههم، وغرق الحسابات الخارجية في غابة مصالح أصحابها وتناقضاتهم الجائرة والاستفزازية، بإبداع يذكّر بأهل الرسالات الخالدة الأوائل: قضيتهم على حبل مشدود وحافة نصل، التراخي فيها يعني الاندثار والاندحار، وترف الاستراحة حلم ناء، والطريق خط واحد، التراجع فيه ليس خياراً متاحاً، والاستدارة عليه ممنوعة حُكماً وشرعاً وتاريخاً ومصيراً.
وليست خبريات ويوميات وليليات المواجهات المتنقلة والمفتوحة من ركن الى آخر، إلاّ تأكيد لتفاصيل تلك الجلجلة المجلجلة. ميزان رابض عند نقطة الصفر. التوازن في كفّتيه منعدم، بل هو مكسور في أساسه: آلة عسكرية أمنية سلطوية تعمل بكامل عدّتها وعديدها، يسندها واقع إقليمي ودولي أغرب من قصص الخيال، في مقابل شعب أعزل إلاّ من إرادته وحناجره، "تتضمنه" مجموعات مسلّحة بما لا يُعتّد به ولا يؤخذ في حسبان العلوم الحربية والعسكرية والأمنية، ورغم ذلك الجور والطغيان الحسابي، تبقى الثورة ولاّدة أرنبية، تنتج في كل يوم ما يكفي لقضّ مضاجع ومهاجع السلطة وكل الشراشف التي تغطيها من طهران الى موسكو الى تل أبيب!
.. في ذروة سيرها، وصل قطارها الى حلب. حطّ رحاله في جامعتها وحمّل مدَداً طال انتظاره.
كثيرون في هذه الدنيا، قريبون وبعيدون. واعون وغاشون. صادقون وكاذبون، أجمعوا على نقطة مركزية رغم تفرّقهم في نقاط مركزية وهامشية كثيرة: عندما تصل الثورة الى حلب، أو دمشق، أو المدينتين معاً، فإن ذلك سيعني دخولها في منعطف حاسم يؤدي الى واحد من طريقين، واحد سريع وآخر أقل سرعة، لكنهما يؤديان في النهاية الى الهدف المبتغى والمرتجى.
.. تفصيل خطير وكبير ما جرى في جامعة حلب ثم في أحياء المدينة، ويكاد يوازي في معناه ما جرى لدرعا وأطفالها في ذلك الآذار من العام الماضي..