#adsense

المعاني في الخطاب العوني (بقلم أمجد اسكندر)

حجم الخط

 

افتتح ميشال عون "الشهر المريمي" بخطبة "العواهر". وهذه الخطبة تستحق ان تُدرج في مناهج التعليم ضمن مادة "تحليل نص ادبي". في ما يأتي بعض ميزات هذا النص.

أ‌- القضاء الفوري على المشكلات: في كل إطلالة لعون يتخلص اللبنانيون من مجموعة آفات ومعضلات. والدليل تكراره عبارات مثل: "انتهى زمن"، "لن نسمح بعد اليوم"، "خلصنا بقا"، "لا عودة الى"، "ممنوع"، " لم ولن". في اللحظة التي يتفوه عون بهذه العبارات، يشعر السامع بأن المسألة حُسمت، والقضية انتهت، والآفة استُؤصلت، والمشكلة وجدت حلها. انه اسلوب "وحدة الزمان والمكان" في روائع راسين وكورناي. في 30 نيسان، ومن الرابية، قضى عون على آفة مجتمعية وجزم بأن "عهد العواهر انتهى"! أما سبب تكرار عبارات الحسم، وادوات الجزم والنصب، وحروف الامر والنهي، فيعود الى كثرة الموبقات السياسية، فهو ما ان "يمنع" فسادا يوم الاثنين، حتى يبرز فساد آخر يوم الثلثاء، وما ان يحل مشكلة الاخلاق في واشنطن يوم الاربعاء، حتى تتآمر عليه باريس يوم الخميس.

ب‌- نفحات النبوة: قلما تحصل أزمة في لبنان وعون لم يتوقعها، او مصيبة لم يحذّر منها. حتى على الصعيد العالمي، له إشارات الى التحوّلات السياسية الكبرى، والازمات الاقتصادية. أما خسارته بعض الرهانات، فسببها عدم قدرة اللبنانيين على مواكبة تطلعاته، او التقاط اشاراته. عزاؤه ان الانبياء لا ينصفون احيانا إلا بعد رحيلهم.

ومن نفحات النبوة في نصّ "العواهر"، اننا لن نصل الى العام 2013 و"ابن مرا" من الذين تسلّموا السلطة في لبنان لا يزال واقفا على رجليه. الموقع الاكتروني لعون اسقط "ابن مرا"، وجاء في النص: "فيما لا يزال في السلطة أي احد من جميع الذين…". ومن مآثر النصّ العوني النبويّ والمقدّس انه قابل للتأويل والاجتهاد. شخصياً، على مدى سنوات اكتسبتُ عادة ثمينة. انتظر تحليلا عونيا في شؤوننا او شؤون العالم والكون، واتصرف على اساس ان الحاصل هو العكس. وغالباً تصحّ. جرّبوها. يكرّر عون نبوءة ان العالم يستطيع سحقه ولكن لا يستطيع الحصول على توقيعه. إنه صراع بين طرفين: العالم وعون. أما نحن، حملة الخطيئة الاصلية، فعلينا ان نموت ونهاجر ونخسر حريتنا، لأننا لا نصدق أن عون على خطى يسوع "سيغلب العالم".

ت‌- آثام الصحافة: لا يملّ عون تأنيب الصحافة في كل تصريح. جاء في خطبة "العواهر" أن حامل القلم "مجرم". أخطأ من قال:" افتحْ مدرسة تغلقْ سجنا". من آداب الضيافة العونية، دعوات اسبوعية للمراسلين لينالوا ما يستحقون من تأنيب ولوم. ليس من سجل عدليّ نظيف لمن ينتقد عون. اربعة رُسل وفقوا في كتابة حياة وآلام السيد المسيح. والنبيّ محمّد كان أمينا على نشر رسالة الاسلام. ونجح الخليفة عثمان بن عفان في جمع آيات المصحف الشريف. ولكن حيث نجح الانبياء والرسل والخلفاء، فشلت الصحافة اللبنانية في فهم عون ونقل أفكاره.

ث‌- الادب العوني: النص العوني، للراشدين فقط. عواهر. كلاب. اولاد ازقة. هررة. "سقايات". فجور. كسر يد. قطع لسان. قبل مغيب الشمس، وقبل ان يخلد الاولاد الى النوم، يصر عون على البث الحيّ لخطبه. يجب ان يستمع هذا النشء الجديد الى مستوى معين من لغة التخاطب ليرتقي ثقافيا واخلاقيا. وبما اننا بصدد تحليل النص، "عطعط" فعل ماضي يعني "تكرار الصياح". من شروط العونية ان تكون "عطعاطا"، وأن تصف رئيس الجمهورية بـ "المتسول"، وأن تنكر هذا الوصف بعد صياح الديك. ان تكون عونيا هو ان لا تتورع عن القول بعد دقيقتين من الصياح، "سنتكلم بهدوء لأننا نمتلك الوقائع"! من مواهب عون ايضا التضلع من اللغة العربية. يُقتل سمير قصير في اثناء مؤتمر صحافي لعون، فيسأل "مين سمير قصير؟" لاحقاً يلقننا عون درساً. "مين" ليست للاستفهام، انها اداة تعجّب وذهول وانهيار نفسيّ. هل تذكرون؟

ج‌- عقدة الاضطهاد: عشرة وزراء، وكتلة نيابية عريضة، وتحالف مع حزب الله وحركة امل وسوريا وايران، كل هذه القوة السياسية والعسكرية لا تقدر على الاصلاح والتغيير. السبب بحسب "خطبة العواهر": "ان الاقلية البرلمانية تلعب دور قوة التعطيل". وثمة سبب آخر. صهره الوزير لا ينجز "لأنه يضيّع وقته بالاجابة عن خمسة عشر سؤالا نيابيا في الاسبوع ". للعلم، لدى الوزير جبران باسيل اكثر من خمسة عشر مستشارا. الصورة بعد "خطبة العواهر" كالآتي: رئيس جمهورية متآمر. نواب اولاد ازقة. أقلية برلمانية وصحافة "قابرين الشيخ زينكو سوا". وزراء ضد وزرائه. ومبعوث اميركي رغم كل مشاغله، وجد عون انه آت "لدعم الفساد". على عون ان يحارب اميركا ليقضي على الفساد. الامر ليس بالبساطة التي قد نعتقد.

خلاصة: في "خطبة العواهر" كان صهر عون الوزير باسيل، يقف متأبطا ملفات تؤكد فساد الاخرين. اخلى العمُّ المنبرَ للصهر الذي فند بعض الادعاءات، ولوّح بالملفات، وكرر انه وعمّه سيتركان الحياة السياسية لو ثبتت عليهما اية شائبة. عند العمّ والصهر، انحطاط الخطاب السياسي ليس جرماً يسيء الى ذوق اللبنانيين وروحهم. الذي حصل في ذلك اليوم، أن أولاد عائلات تكلّموا على أولاد أزقة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل