في موازاة الدلالات العميقة للحضور الاميركي – الايراني المتزامن في لبنان قبل أيام ثمة دلالات على السطح لا تحتاج الى كثير جهد لفهمها. فالسيناتور الاميركي ليبرمان اختار وادي خالد ليطل على الأزمة السورية. فيما اختار نائب الرئيس الايراني رحيمي حديقة مارون الراس ليطل على اسرائيل. فلكل من الرجلين قبلته. وليس في توجه كل منهما الى قبلته مفاجأة. لكن التمعن في المشهدين ينجلي عن وضوح لا بد من التوقف عنده.
ليبرمان الذي تفقد النازحين السوريين في الشمال مطلعاً على حاجاتهم ومتضامناً في مصابهم سار في محاذاة الحدود التي سقط عندها المصوّر علي شعبان، الذي يمثل آخر شهداء الصحافة الذين نحيي اليوم ذكراهم. لم يخشَ السيناتور الاميركي رصاص هجانة النظام السوري الذي اصابه الخرس طوال مدة جولة الضيف الاميركي فيما لعلع وزمجر وأنقض على شعبان ورفيقيه فسقط الاول مضرجاً بدمائه ونجا رفيقاه باعجوبة. في أمثالنا المأثورة: "لا يقدر على البقرة فينطح العجل". وهكذا تمرجّلت "بقرة" ليبرمان وخرّ صريعاً "عجل" شعبان.
رحيمي في حديقة ايران بمارون الراس الجنوبية على الحدود مع اسرائيل كان آمناً مطمئناً الى أن الهجانة الاسرائيليين معه سيحذون حذو الهجانة السوريين مع ليبرمان. وهكذا أمضى يوماً جميلاً في هذه البقعة الساحرة من جبل عامل. ولو اتسع الوقت لأقيمت له حفلة شواء (باربيكيو) التي تتوافر تجهيزاتها في هذا المكان الذي ارادته طهران درة تاجها في مواجهة اسرائيل.
القصة الى هذا الحد لا تنطوي على مفاجآت لولا ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت. فعندما قرر رحيمي زيارة ضريح القائد البارز في "حزب الله" عماد مغنية في روضة الشهيدين بالشياح كانت المنطقة مسرحاً لاشتباكات أخوية في صفوف حركة "أمل". وعلى رغم ان الحزب قام ما بوسعه لتنظيف محيط المكان ليكون لائقاً بالضيف الايراني البارز كان في حاجة الى تدخل رئيس حركة "أمل" نبيه بري لوقف الاشتباكات، وعلم ان جهود بري واتصالات الحزب ومهابة رحيمي أثمرت اقناع المشتبكين في الدخول الى حسينية المدفن. وما إن غادر نائب الرئيس الايراني المكان حتى خرج المسلحون الى ميدان القتال واستأنفوا رماياتهم وكانت ليلة أهوال عاشها سكان المنطقة الذين كانوا يتمنون لو ان "هدنة" رحيمي تستمر طويلاً.
اطمئنان ليبرمان الى حياته على الحدود الشمالية ومثله اطمئنان رحيمي على الحدود الجنوبية خلاصته ان لا مشكلة سورية – اسرائيلية.
أما رصاص "أمل" في الضاحية مثلما كان رصاص "حزب الله" في 7 أيار 2008 ببيروت يؤكد ان وظيفة قوى الممانعة محصورة في بيروت وضواحيها.