#dfp #adsense

العودة من المنفى “القصري”

حجم الخط

لقد استمعت الى الكلمات التي ألقيت في ذكرى عودة العماد ميشال عون، بما فيها الكلمة الختاميّة للجنرال نفسه. وقد لفتني تكرار العبارة الآتية: "العودة من المنفى القسري"، وكأنّ الجنرال كان قد ألقي القبض عليه وحكم عليه بالنفي لأنه كان يطالب، مثله مثل سعد زعلول الذي واجه المنتدب البريطاني لمصر ونفي الى جزيرة مالطا، بالسعي الى تحقيق استقلال الوطن عن منتدبه الجديد تطبيقا لمبادئ الحريّة والعدل والحق في السيادة.

تناسى الخطباء، وفي مقدّمهم الجنرال، أنّ القائد ترك معقله بنفسه وبسرعة قاصدا السفارة الفرنسيّة التي أمّنت له الملجأ، وغادر بعدها في سفر ميمون الى باريس.

وتناسى الخطباء أيضا ومعهم الجنرال أنّ ثمانين شهيدا من الجيش اللبناني سقطوا دفاعا عن سفينة تخلّى عنها قبطانها عند أوّل هبّة ريح.

وأكثر ما تناساه الخطباء أنّ المنفى الذي أقام فيه الجنرال كان قصرا بكل معنى الكلمة في حيّ باريسي راق. لذا كان التصحيح واجبا فاقتضى، والتزاما بالواقع، تبديل العبارة لتصبح.

"العودة من المنفى القصري" لأنها أقرب الى الحقيقة.

أمّا في المضمون، فلا جديد. لقد أصبت، وكذلك جزء من الحاضرين في قاعة الحفل، بالملل. والدليل أنّ الجنرال توقّف تكرارا عن سرده ليوجّه ملاحظة الى الموجودين بضرورة الصمت والانتباه الى ما يقول. وهذا يعني أنّ الجنرال فشل في ضبط "الصفّ" بالعقل، لكنّه نجح في الإستمالة الغريزيّة، أي في الإنتقال من سرد الأحداث الى شعبويّة الغمز من قناة خصومه، ما أشعل القاعة زمامير وصراخا.

إنّ الملل في خطاب الجنرال نتج عن تكراره لكليشيهات ممجوجة مستعادة توسّلها للإستهلاك الظرفي . منها، على سبيل المثال، كلامه عن حرب كونيّة تشنّها عليه الدول العظمى، واتّهام الآخرين بالفساد من دون دليل، أو بدليل يدّعي أنّه يملكه لكنّه لم يبرزه مرّة، وتوزيعه شهادات العفّة على أتباعه وكأنّهم أصفياء في مدينة الملائكة، وقد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم من كثرة الصلاة، ونحلت أجسادهم من الصّيام، يفوح منهم عطر البخّور من دون روائح الصفقات المشبوهة، والقفز فوق ما قام به جماعة الرابع عشر من آذار من مخادعته وبشكل متكرّر، فردّ بمدّ يده لأنّه يضع مصلحة الجمهوريّة فوق مصالحه الشخصيّة ولا سيّما هاجسه التاريخي المتمثل في كرسي الرئاسة!

أمّا أخصامه فقد عجزوا عن فهمه وابتعدوا في ضلالهم عن حقيقة رأيه وصوابيّته، وساقهم الفساد الى الغوايات.

لقد بدا لي الجنرال داعية متطهّرا، يجب الأخذ برأيه، والاستعانة بفضله وتجربته وقديم معرفته، إذ يدعو للأخذ بنبل الأخلاق في العمل الوطني واحترام الحريّات والمبادئ الأنسانيّة. وهو المعروف بتفتيق أكمام السياسة، يسوق كلامه فيها بأسلوب راق بعيد عن الإسفاف، بسيط يذكّرنا برأي إبن المقفّع بالبلاغة مؤدّاه: إنّها التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنّه يحسن مثلها. ولهذا يمكن وصف أسلوب الجنرال الفريد في تعاطي السياسة بالسهل الممتنع.

قال نيتشه: (يا عون لبنان العظيم) ما يؤلمني ليس أنّك تكذب عليّ، بل لأنّني لا أستطيع أن أصدّقك بعد اليوم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل