
ينظم المركز الكاثوليكي للاعلام ندوة بعنوان "محابس وحبساء… في البال" يقدمها الاب عبدو ابو كسم ويشارك فيها الاب الياس حنا، الاب بولس فهد، الاب انطوان عوكر يليها حفل توقيع كتاب "محابس مارونية جدرانها ترتفع الى السماء" للكاتب جورح حايك وذلك في قاعة الاب فريد جبر – بازيليك سيدة الايقونة العجائبية للآباء اللعازريين في الاشرفية الجمعة 18 ايار الساعة 7:30 مساء.
وجاء في مقدمة الكتاب:
نتوق اليها، نبحث عنها على قمّة جبل أو في أعماق وادٍ. نتساءل عن حبيس يملأها متخلّياً عن مكانة مرموقة احتلها أو ذروة علميّة تسلّقها، أو أصفر رنّان كان ملزماً التعامل به، زاهداً بالجمال ومغرياته، وبملذات الدنيا وطيّباتها.
عالمه لم يردّ له ظلماً على جمال طبيعته، ولا عائلته على دفئها وتماسكها، ولا سهرات تحلّقت حول مواقدها، سَادَها ما سَاد من طرب ورقص وغناء، ولا أعراس بهيّة وما يتخلّلها من أفراح، ولا زهو الشباب وحرارة الدم يغلي ليعقد الآمال ويطمح إلى الأماني الغاليات…
في المحبسة، لا يرتوي من الهدوء، ويتوق إلى بريّة غرقت في السكون، حيث الحريّة أرحب وكل ما حوله ذاهل، منجذب يمجّد معه باري الجمالات والمدهشات. هكذا يسير الحبيس دونما إلتفات إلى الوراء ليستمتع بضمّة أم أو ليودّع أخوة وأخوات، ومن دون أن يجمع المال أو الزاد: لا مؤاخذة…لقاؤنا في السماء.
طريق السعادة، طريق السماء، تبدأ من هذه المحبسة حيث يتخلّى عن كل شيء. سعيداً يعيش في ظلّ قانون نسكيّ، إرادته للطاعة، وروحه للفقر، وقلبه للعفّة والعطاء. سعادة شتّان ما بينها وبين سعادة الأخذ!
لا كلمة، ولا كلمات عدة أو مئات الكلمات ولا حتى مجلّد، أعجز عن وصف هذا الشغف المجنون في بصومعة ضيّقة، سقفها أسود وأثاثها فراش سنديان وعفص،
وسادة حطب وملعقة خشب وقصعة(1)، إبريق ماء، سراج وصليب من خشب…ونشوة بالتأمل والصلاة.
جلت في عشرات المحابس التابعة للرهبانيات المارونيّة: الرهبانيّة اللبنانية والرهبانيّة المريميّة والرهبانيّة الأنطونيّة. معظم تلك المحابس لا تزال صامدة في وجه تقلّبات الزمن والطبيعة والكوارث، عاينت مطارح النسّاك والتصاقها بروحانيّتهم، تلمّست حجارة تروي حكاية أبطال اقتدوا بالمسيح واستجابوا لندائه:"مَنْ لاَ يَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، فَهُوَ لاَ يَسْتَحِقُّنِي"(متى10: 34-38).
أما سعادتي، فتكمن في سرّ اكتشاف ولو ذرّة واحدة من السعادة في التقشّف والتجرّد، في الاستشهاد الروحي المتواصل، في نبذ ترّهات العالم، في انكار الذات ودفن الشباب في كفن أسود، في العزلة والصمت ومناجاة الخالق، في حضوره وحده، من غير أن يعكّر أحد صفو اللقاء…
غالباً ما تكون الدروب إلى تلك المحابس افعواناً يلتفّ ويلتفّ ثم لا بدّ من أن تبلغ القمة، وتلج عبق التاريخ الذي يطلع من حجارتها، قنطرة فدهليز، غرف صغيرة فكنيسة سقفها جذوع أشجار عتيقة أكلها "الشحتار" ودخان الزمن، شباك صغير يضم عدداً من قضبان حديد سوداء يطلّ على وادي مسيّج بالقمم، وأدوات كان يستخدمها حبيس: مبخرة، منجل، أيقونات وصور قديسين.
الجولة كانت شاملة واقتضت جهداً كبيراً ليس بسبب صعوبة الوصول إليها. فالمدينة والعمران والطرق المعبّدة زحفت إليها وباتت تهدّد سكينتها، لكن الصعوبات كانت تكمن في إستكشاف تاريخها والتعرّف إلى شكلها الأول بعدما خضعت أكثريتها إلى
1- وعاء يؤكل فيه، وكان غالباً ما يصنع من الخشب
ترميم أو حتى إلى تعديلات وإضافات، ثم استطلاع حقيقة حبسائها ومدى روحانيّتهم وقداستهم.
في تلك المعابد الطاهرة، جثوت وصلّيت بفرح روحيّ عميق مما زادني حماسة وإرادة في إكمال هذا العمل الأدبي المميّز، حاملاً آلة التصوير وورقة وقلماً، غير آبه ببرد وثلج وحرّ. كم هو جميل أن تصعد إلى تلك الجبال، وأن تكون في قلب الطبيعة، النقيّة النضرة، والقريبة من الذي تحدّث بمقدار كبير على الجبال منذ موسى حتى يسوع!
كان واجباً عليّ إعداد نفسي لأتمّم مشيئة الربّ بإظهار فضائل عبّاده في تلك المحابس. ورغم أن أكثريّتها مهجورة، إلاّ أنها كانت تخاطبني بلغة الصمت وصلوات الحبساء التي ملأتها في زمن غابر، وخصوصاً منذ القرن السابع عشر وحتى اليوم. الحضور الإلهي هو نفسه، وفعل روح القدس السريّ هو نفسه. وفي كروم المحابس، ترتسم في خيالك صورة حبيس يحطِّب ويمشحر، يغرس ويقطف، يكسّر الصخور ويعارك الطبيعة مجتازاً قمم الثلوج لساعات طويلة.
روحانيّة المحبسة المارونيّة لم تكن إلاّ فضيلة وجهداً ومحبة وتواضعاً. أمام مذابحها لا تراودك سوى صورة حبيس ينتصب أمام بيت القربان المقدّس كالجذع، لا يرفّ له جفن ولا يخفق له قلب…يتحدّى البرد والجليد بالمكوث لساعات وساعات أمام القربان في أصعب أيام الشتاء، يتحدّى الرخاء بشظف العيش واللباس الخشن والنوم على الحضيض ولبس المسح(1) ويتحدّى الشهوات بحجب النظر. معظم المحابس تتبع أديرة تقع في الجسر الجويّ الذي يربط بين مناطق لبنان، من الشمال
1- قطعة من وبر الحيوان يضعها الحبيس على بطنه لكي يشعر بالألم.
إلى الجنوب، مروراً بجبل لبنان كالمتن وكسروان، وصولاً إلى جبيل والبترون وزغرتا واهدن، وهي أشبه بينابيع تتدفق منها الخيرات والبركات السماويّة، فتمرع وتخصب. وشملت جولتي المحابس التابعة لأديرة للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة: دير سيّدة طاميش، ودير مار مارون- عنايا ودير سيّدة ميفوق، ودير القطارة، ودير سيّدة مشموشة، ودير مار انطونيوس قزحيا، ودير سيّدة حوقا. اما محابس الرهبانيّة المارونيّة المريميّة، فتتبع دير مار بطرس وبولس كريم التين ودير مار ليشع ودير مار الياس شويا.
محابس الرهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة، تتبع دير مار عبدا المشمّر، ودير مار اشعيا، ودير مار بطرس وبولس القطين، ودير مار سركيس وباخوس اهدن.
حول تلك الأديرة يخيّم الصمت والسكينة. تقودك خطواتك من دون أن تشعر نحو محابس خاشعة في كنف سنديانات هرمة وتنتصبُ في وجه العواصف.
الزوّار والمؤمنون يأتون إليها جماعات جماعات، يطرحون عنهم مشقّات الحياة ومتاعبهم الكثيرة في أيامنا هذه، فيصرفون نهارهم وكأنه ساعة من الزمن، فرحين، مبتهجين، حاملين زوّادة الرجاء، آملين من ربّ الأكوان تلبية طلباتهم ودعاءاتهم وأمنياتهم وشفاء أوجاعهم بشفاعة حبساء باتوا في نظرهم قديسين. ورغم أن الناس ينظرون إلى هذه المحابس تبعاً لموقعها كمزار وانطلاقاً من إيمان شعبيّ، وهم يجنون من السعادة ما لا يقدّر، فكيف بالأحرى يكون شعور حبساء رأت أعينهم بين جدرانها ذلك النور الإلهي بعدما اتحدوا بكلمة الله؟
حبساء من الرهبانيات الثلاث تألقوا حتى أصبحوا أسماء تسير على دروب القداسة، نظراً إلى العجائب التي أجراها الربّ يسوع بشفاعتهم. حتماً تستأثر الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة بأكبر عدد من الحبساء، يأتي في طليعتهم الأب شربل مخلوف الذي أُعلن قديساً عام 1950. ثم تجلّت بطولات لحبساء يُعتبرون كواكب في هذه الرهبانيّة المجيدة، أبرزهم الأب أثناسيوس الصغبيني، والأب مرقس داغر التنوري، والأب أليشاع الحرديني، والأب يعقوب أبي مارون والأب أنطونيوس شينا. علماً أن الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة تنفرد اليوم باستمرارها في الحفاظ على التراث النسكيّ من خلال ثلاثة حبساء: الأب يوحنا خوند، والأب داريو اسكوبار والأب أنطوان رزق.
وفي الرهبانيّة المريميّة، توهّجت أسماء كالأب لورنسيوس الحميري الديراني والأب عبد المسيح الحايك والأب أنطونيوس طربيه.
وفي الرهبانيّة الأنطونيّة، تألقت أسماء أخرى: الأخ جرمانوس الدرناني والأخ سابا نصرالله والأب جرمانوس الاهدني.