بعد غياب 17 عاماً عاد الاشتراكيون الى الرئاسة الفرنسية وازدحمت الطرق الى الاليزيه بالوردة الحمراء، لكن فرنسوا هولاند الرئيس الاشتراكي الثاني الذي يتولى قيادة دولة محورية في الاتحاد الاوروبي ليس فرنسوا ميتران ولن يكون.
في مذكراته التي صدرت قبل اشهر اشاد جاك شيراك بهولاند ومنحه دعماً مفيداً عندما وصفه بأنه "رجل دولة حقيقي قادر على تخطي الفوارق الحزبية"، لكن الرئيس الجديد يعرف الآن بالتأكيد واكثر من غيره، ان خوض المعركة الانتخابية ضد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي "رئيس الاغنياء"، كما وصفه، شيء وتقديم نمط حكم يرضي انصار الاشتراكية والفقراء ويتصدى للتحديات المتصاعدة في فرنسا واوروبا شيء آخر!
في الواقع يرث هولاند تركتين ثقيلتين، الاولى معنوية تتصل بظل ميتران الرئيس الذي وضع بصمته على التاريخ الفرنسي وقد حكم من عام 1981 الى 1990 وفرض ضريبة على الثروات الكبيرة تماماً كما فرض صوته على الخارج، وخصوصاً بعد خطابه التاريخي في كانكون الذي هاجم فيه الحصار الاميركي على كوبا، في حين يردد كثيرون الآن القول: صحيح ان هولاند سياسي متمرس لكنه لا يملك خبرة كافية في السياسة الخارجية وادارة علاقات معقدة لدولة محورية مثل فرنسا مع العالم.
اما التركة الثانية فهي مادية تتصل بظل سياسة ساركوزي الاقتصادية والتي استعملها هولاند مثل كعب اخيل في هجماته على سلفه، الذي خاض معركته الاولى عام 2007 تحت شعار "مرشح القوة الشرائية" لينتهي ضحية الازمة الاقتصادية التي تعلك اوروبا وتقرع الآن ابواب فرنسا.
صحيح ان هولاند اراد شحذ الهمم منذ اللحظة الاولى فقال في خطاب النصر بعد اقل من ساعة على اعلان النتائج: "لسنا اي دولة ولسنا اي امة… نحن فرنسا "، ولكن هل ستتحمل فرنسا مثلاً فكرة الـ75 % ضريبة على الثروات الكبيرة التي تملك غالباً قطاعات الانتاج الثقيل، وخصوصاً في هذه الايام الحرجة؟
عندما يكون اول اتصال يجريه هولاند بعد انتصاره مع المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، فذلك يجب ان يشكل مؤشراً قوياً على سر القيادات والسياسات التي تصنع الدول القوية والنمور الاقتصادية، وثمة هنا ما يدفع بالتأكيد الى اجراء مقارنة بين تاريخ فرنسا والمانيا، لكن في فرنسا دولة الديموقراطية العريقة والمؤسسات والخبراء، ليس مطلوباً من الرئيس ان يحكم وحده بل ان يتولى الدفة لتتجه السفينة وفق ما تقرره رياح المصلحة الوطنية واشرعتها.
على الذين يخافون مثلاً على علاقات فرنسا بهذه المنطقة ونحن في مرحلة التغيير و"الربيع العربي" ان يتذكروا ان فرنسا هي التي ستدير هولاند في الشؤون الخارجية كما ادارت ساركوزي من قبل، ثم ان في برنامجه الانتخابي وعداً بالاعتراف بالدولة الفلسطينية… ولكن اذا اعطى الفلسطينيون دفعاً لعملية السلام!