كتب انطوان فرح في صحيفة "الجمهورية":
هل تريد ايران فعلا مساعدة لبنان؟ وهل يستطيع لبنان قبول المساعدة الايرانية؟ ولماذا تبدو العروض الايرانية بتقديم الدعم في مشاريع تنموية وحياتية حيوية، أشبه بالتهديد، مع انها ليست كذلك بالتأكيد؟ كل هذه التساؤلات يثيرها الإلحاح الايراني على لبنان الرسمي لكي يوافق على قبول الدعم، وآخرها الاصرار الذي جاء به نائب الرئيس الايراني الى بيروت…
الاتفاقات لم تكن في حجم التوقعات
التمهيد الذي سبق الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الايراني محمد رضا رحيمي الى لبنان، أوحى بأن الغلّة من هذه الزيارة ستكون حرزانة، وان نائب رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية سوف يغادر بيروت وفي جعبته مجموعة اتفاقات وعقود ثنائية ذات طابع اقتصادي وتنموي بين البلدين. لكن شيئا من ذلك لم يحصل، واضطر الزائر الضيف الى الاكتفاء باتفاق يتيم للتعاون الصناعي. التبرير الرسمي الذي جرى تقديمه في تفسير الشح في الاتفاقات الموقعة بين الجانبين اللبناني والايراني، ان بيروت لا تستطيع ان توقع الاتفاقات قبل موافقة مجلس الوزراء عليها.
في كل الاحوال فان العروض الايرانية المتزاحمة على بيروت ولّدت نقزة، لاعتبارات عدة ليس أقلها، التوقيت والاسلوب. وقد دأب السفير الايراني في لبنان، غضنفر ركن آبادي، في الفترة الاخيرة على التجوال على بعض الوزراء، سيما منهم من كان محسوبا على الخط السياسي الذي تدعمه بلاده، لتذكيرهم بأن هناك اتفاقات قائمة بين البلدين تحتاج الى تطبيق. وقد وسّعت طهران مروحة العروض التي قدمتها الى لبنان الرسمي في الاسابيع القليلة الماضية، لتشمل أكثر من قطاع، من ضمنها بناء السدود، ومعامل انتاج الكهرباء، وتأهيل الطرقات والجسور، واستيعاب المنتجات الزراعية الكاسدة…
وكان واضحا من اللهجة التي اعتمدها السفير الايراني في تذكير المسؤولين اللبنانيين بالاتفاقات القائمة بين البلدين، ان هناك أكثر من عتب في هذا الموضوع، وان طهران تتعاطى مع هذا الملف على اساس ان هناك بعض الاطراف التي تريد ان تعطّل كل انواع التعاون الاقتصادي بين البلدين.
لا شك ان "الشعور" الايراني، الذي يرتقي احيانا الى مستوى الاتهام، في محله. ولبنان الرسمي الممثل بالسلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية والحكومة، ليس متحمسا لقبول المساعدة الايرانية. اذ لو كانت مقاربة هذا الملف مُتاحة على قاعدة الحسابات الاقتصادية فقط، لكان من البديهي ان من مصلحة لبنان قبول بعض العروض، ومن ضمنها عرض بناء معامل الكهرباء. وقد تبيّن أن طهران تعرض أفضل الاسعار، وبضمانة شركات دولية لبناء معامل لإنتاج الكهرباء.
يبقى السؤال ما هي الاتفاقات الاقتصادية التي تطالب طهران بتنفيذها، والتي سبق ان وقعها البلدان في فترات سابقة؟
وفق السفير الايراني في بيروت، غضنفر ركن آبادي، هناك حوالي 32 اتفاقية، تشمل مجالات متنوعة، بينها الطاقة والثقافة والعمل والطرق بالاضافة الى تعزيز الاستثمار الايراني بالشراكة مع القطاع الخاص اللبناني. بالاضافة الى ان ايران تسعى الى اتفاقيات جديدة.
الى ذلك، كان لافتا ما أعلنه وزير الطرق وإنشاء المدن الايراني علي نيكزاد عن سعي بلاده الى "تعزيز التعاون المصرفي مع لبنان، بما يتناسب مع حاجات البلدين". لكن لبنان الرسمي، ينظر بحذر الى الطحشة الايرانية على لبنان، خصوصا انها تأتي في توقيت حساس، اذ ان دمشق التي كانت تلعب دور "الوصي"، تبدو اليوم عاجزة عن آداء هذا الدور بسبب انهماكها في وضعها الداخلي، وبالتالي، فان طهران تأخذ المبادرة لتمتين وجودها ونفوذها المباشر في لبنان، من دون المرور بالوسيط السوري.
ولعلّ الموقف الايراني المندفع للافادة من الوقت لتمتين العلاقة جاء واضحاً على لسان رحيمي، الذي قال في معرض ردّه على سؤال حول استعداد ايران لمساعدة لبنان في قطاع الكهرباء بالقول: "أقول لكم بصدق نحن على عجلة من أمرنا"…
هذا الكلام جاء معبّراً بوضوح عن الاندفاعة الايرانية التي يواجهها تحفّظ لبناني، عبّر عنه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بلغته الوسطية المعهودة عندما قال: "أنا أقدّر للجانب الإيراني معرفته تماما بالخصوصية اللبنانية في هذه الظروف بالذات، لذلك أقول إن هذه العلاقة ستتوطد وسيكون التعاون مرتكزاً على القواعد والمبادىء والقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، أنا أشكر للجانب الإيراني تفهمه لهذا الموضوع".
في النتيجة، يعرف الجانب الايراني ان الرأي العام اللبناني منقسم حياله، وان معوقات تعزيز التعاون الاقتصادي، محلية وخارجية. في الداخل، هناك من يرفض المن والسلوى اذا كان مصدره ايران، ويفضل العلقم من مصدر آخر. وفي الخارج، هناك ضغوطات أميركية، وربما خليجية، تجعل من عملية التعاون الاقتصادي مع ايران مجازفة غير محسوبة المخاطر.
وعليه، لن يكون التقدّم على مستوى توطيد التعاون الاقتصادي سهلاً، ولو ان ايران تلعبها بذكاء، لأنها تحاول ان تسلّط الضؤ دائما على ان الاتفاقات التي تطالب بتنفيذها، لم تبرمها الحكومة الحالية، المتهمة من البعض بأنها حكومة حزب الله، بل أبرمتها حكومة الرئيس سعد الحريري، خصوصا بعد الزيارة الناجحة التي قام بها الحريري الى طهران.
ومع ذلك، تبقى المعوقات كبيرة، وابتكار تسمية "اللجنة اللبنانية – الايرانية الاقتصادية المشتركة"، وجعلها برئاسة رئيس الحكومة اللبناني ونائب رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، لن يصنع فرقاً كبيرا، بل انه على العكس قد يولّد نقزة لبنانية، لانه قد يذكّر البعض بـ"المجلس الاعلى اللبناني – السوري"، والذي يعتبر بنظر البعض رمزا من رموز الوصاية السورية الذي ينبغي التخلّص منه.