تذكر رئيس التيار الوطني العماد المتقاعد ميشال عون يوم عودته الملتبسة من منفاه الإختياري في باريس في إحتفال حاشد فيما لم يأت على ذكر فراره الملتبس أيضاً وأيضاً من أرض المعركة، تاركاً ضباطه وجنوده يقتلون كالنعاج على أيدي القوات السورية، قناعة منه أن سلامته الشخصية أسلم له ولكل ما نادى به من تعاليم سياسية وشعارات عسكرية سقطت تباعاً مفضلاً عليها لقب ضابط فار من أن يدرج إسمه في لائحة شهداء لبنان!
لقد قال الجنرال الفار بعد وقت قصير من لجوئه الى فرنسا عبر صفقة سياسية – ديبلوماسية لم يعرف منها سوى أن بعضهم قايضه بتخلية نجل مرجع رسمي إرتبط إسمه بشحنة مخدرات بملايين الدولارات، مقابل تأمين إنتقاله من السفارة الفرنسية في محلة مار تقلا – الحازمية إلى سفينة شحن ومنها إلى بارجة حربية أمنتها له الحكومة الفرنسية ظناً منها أنها تقدم خدمة وطنية للبنانيين وقبل أن تتضح لها أن الجنرال الفار قد عاد إلى مسيرته القديمة، أي الإتصال بالمخابرات السورية، لاسيما مع الضباط الذين تستروا على عملية نقله من السفارة الى منطقة الضبيه حيث قارب سياحي بانتظاره!
في معلومات الشريك في شعار «يا شعب لبنان العظيم» والرديف في الحكومة العسكرية اللواء عصام أبو جمرة، ما يكفي لتأكيد تواصل عون مع المخابرات السورية.
وقد كشف عن ذلك في صريح العبارة عندما قال أبو جمرة إنه حذره من مخاطر اللعبة السياسية – العسكرية المزدوجة. وكان جواب عون «لا تشغل بالك(…) لأننا بحاجة إليهم للبقاء على إتصال مع من يضع يده في يد السوريين». وزاد أبو جمرة أن عون قال له «لا تنسى إن السوريين لن يتخلوا عنا طالما إن من بين خصومهم اللبنانيين من يرفض في المطلق مد اليد إليهم»!
والذين أكدوا إن تغطية عودة عون من فرنسا لم تكن تحصل من دون ملاحقة قضائية ومالية وعسكرية وجنائية، أكدوا بالتالي إن المخابرات السورية قد أمنت له طريق دخول لبنان من دون مساءلة، على رغم ما تردد آنذاك من أن «الجنرال سيقع في الفخ المنصوب له». لكنه لم يقع ولم يكن هناك من فخ، ولا هو داخله شعور بأنه يمكن أن يجد في المطار من يسأله عن إرتكاباته وعن الأموال التي نهبها من خزينة الدولة ونقلها معه الى الخارج (…)
كل شيء كان مدبراً بدقة متناهية. وهيهات لو وجد عون قبساً من عزة النفس تجيز له فتح دفاتر تلك المرحلة في حسناتها وسيئاتها، إلا إذا كانت صفقة إعادته الى لبنان لا تتضمن أية حيثية تجيز له أن يتذكر ماذا فعل وماذا لم يفعل، كي لا يبقى في دائرة الإتهام طال زمن زعامته الملتبسة أو إستمر إلى ماشاء الله في خداع من يقف معه وحوله مؤيداً ومناصراً بتصرف فائق الغباء؟!
في واحدة من لقاءاته مع سياسي لبناني مقرب من السوريين، سأله الأخير عما إذا كان مقتنعاً بأن مؤيديه سيغفرون له فراره من أرض المعركة وتخليه عن ضباطه وجنوده في أبشع مشهد عسكري، رد عون عليه بقوله«إنني أتكل على خصوم خصومي ممن مل الحزبيين والسياسيين».
وهذا ما حصل حيث التف حول رئيس التيار الوطني جميع من كان من ضمن خوارج الأحزاب والسياسيين والتنظيمات، فضلاً عن أن عون عرف كيف يستفيد من الأوراق التي لعبها تحت الطاولة مع المخابرات السورية التي وضعته أمام خيار التفاهم مع حزب الله، أو سيكون مضطراً لأن يحارب الخصوم والأعداء في وقت واحد. وهو فضل التفاهم الذي جنى منه مكاسب سياسية سمحت له بمضاعفة نوابه وأتاحت أمامه التحالف مع كل من كان في الصف السوري وفي مقدم هؤلاء رئيس تيار المردة سليمان فرنجية الذي وجد نفسه منساقاً وراء حلف لا رابط بينه وبين أية ثابتة وطنية، باستثناء ثابتة الخلاف الأزلي بين آل فرنجية وحزب الكتائب والقوات اللبنانية!
المهم في نظر العماد المتقاعد ليس الإحتفال بذكرى عودته الى لبنان، بقدر إشعار خصومه انه موجود مهما إختلفت ظروف تفاهمه مع المخابرات السورية ومع حلفاء نظام الأسد، فضلاً عن أن موقعه في صلب الرعاية السورية قد جنبه المساءلة عن عمالة أحد كبار مساعديه للعدو الإسرائيلي، من غير إتكال على الحكم المخفف على العميل المشار اليه العميد المتقاعد فايز كرم، ومن غير أن يترك حادث العمالة مجالاً للشك بعون من جانب حليفه حزب الله وحلفاء حليفه ممن كم الحزب افواههم كي لا يعلقوا على ما حصل سلباً أم إيجاباً!
وفي جديد اللعبة السياسية الداخلية التي تندرج في سياق عمالة عون لحزب الله وللسوريين، فإنه قد حال من دون مقاربة »داتا المعلومات» متذرعاً بخطر إستخدامها في مجال كشف خصوصيات بعضهم، ومن غير ان يتوقف عون ومن معه عند ضرورة كشف المزيد من عملاء إسرائيل، لأنها ستؤدي تلقائياً إلى كشف من حاول إغتيال عدوه وعدو حزب الله وعدو سوريا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع (…) وكان يوم المنى العوني لو نجحت وأزاحت الخصم اللدود؟!