كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار":
"يسعى لبنان الى الحفاظ على التوازن وفقا لمعادلة تحكمها أولويتا الاستقرار والاصلاح. نتطلع كأوروبيين الى عمل مستدام. ثمة حاجة الى تحقيق امور اساسية يطمح اليها الناس كخلق فرص عمل وتحقيق العدالة الاجتماعية".
بذكاء، تعيد سفيرة الاتحاد الأوروبي انجلينا ايخهورست بلورة المواقف الاوروبية على ايقاع التطورات المحلية والاقليمية الحاصلة. وبعد عام ونصف عام على وصولها الى لبنان، باتت تدرك مفاصل "اللعبة اللبنانية" هنا، لا بل تتقنها.
صحيح ان الاهتمام الغربي بلبنان لم يتبدل، لكن لا يمكن في الوقت عينه فصل "لعبة الشطرنج" المحلية عن اطارها الاوسع اقليميا. هو طبعاً اطار "الربيع العربي" المتواصل اولاً وضمنه الدعم العربي – الغربي لمهمة المبعوث الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي أنان حتى إشعار آخر سورياً، واطار العودة الغربية الى طاولة المفاوضات مع ايران ثانياً و… متفرعاته.
تستبق ايخهورست السؤال عن سوريا. "ندعم خطة كوفي انان" تقول. وتستحضر أقوال الممثلة العليا للاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كاثرين آشتون في هذا الصدد: "لا يمكن القول بين يوم وآخر ان الخطة فشلت. هناك 30 مراقبا حتى الآن على الارض يحتاجون الى معدات ووسائل. ثمة حاجة اخرى تتمثل في السماح للصحافيين بالدخول وإطلاق السجناء. نريد منح خطة وافق عليها المجتمع الدولي وكذلك الصينيون والروس والجامعة العربية فرصة. هذا لا يعني اننا غير واعين للعنف المتواصل ولا سيما ما يحصل في كثير من المدن السورية، اضافة الى الحاجة الى ادخال مساعدات انسانية. ما زلنا ايضا نعمل لجمع مجموعات المعارضة ."
تسألها عن انتخابات 7 أيار في سوريا، فترد بسؤال "هل يمكن تنظيم انتخابات فيما لم تحظ خطة انان بكل العناصر التي تؤهلها للعمل بعد؟ قلنا منذ زمن ان (الرئيس بشار) الاسد فقد شرعيته، واي مخرج سلمي يمكن ان يسهل انتقالاً سيكون مساعداً جداً. ننتظر هذه اللحظة لإراحة الناس ووضع حدّ العنف".
تبدّل النَفَس الايراني بعد لقاء اسطنبول بين طهران ومجموعة الدول 5 + 1 هو أيضاً محط ترقب اوروبي عشية المحادثات المرتقبة في بغداد، وبعدما تم الاتفاق على خطوات متنوعة، قبل لقاء العراق الموعود: "هناك عملية جديدة تتحرك. يبدو ان كل الاطراف راغبون في مناقشتها. انها اذاً لحظة جديدة". مجدّداً، تعود ايخهورست الى أقوال آشتون عن "الارادة المتبادلة للعمل معاً وهذا أمر ايجابي"، متداركة "ماذا سيحصل بعد ذلك، لننتظر. نترقب كيف ستسير الأمور".
بين العودة الى طاولة المفاوضات ايرانياً والترقب السوري، مؤشرات "تغيير ما" في العلاقات الاوروبية – العربية، لا بل الاسلامية. قد يكون كلام ممثل حركة المقاومة الاسلامية ("حماس") في لبنان اسامة حمدان الى وكالة "الاسوشيتد برس" الاميركية قبل ايام، عن محادثات تجريها بعض الدول الاوروبية مع الحركة وممثليها في بيروت احد تعابيرها.
لا تنفي ايخهورست هذه المواقف، كما انها لا تؤكدها، "سنتعاطى مع حكومة منتخبة ديموقراطيا تلتزم مبادىء الرباعية الدولية"، تعلّق. انطلاقاً مما تقدم، يبدو السؤال عن "الف باء" السياسة الاوروبية الجديدة حيال لبنان في اطار التحديثات المتتالية لسياسة الجوار بديهياً.
عملياً، ثمة عمل اوروبي – لبناني متواصل على اكثر من جبهة.
واذا كانت زيارة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الى بروكسيل، عاصمة الحركة الاوروبية، شهدت "جس نبض" غربي للموقف اللبناني من التطورات المرتقبة في المنطقة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، الا انه يبدو ان مفاعيلها لم تنته بعد في ضوء اللقاءات الفرعية المتواصلة على مستوى الوزراء والاداريين.
وبحسب ايخهورست، تناول النقاش مع الرئيس ميقاتي كيفية الحفاظ على التوازن وفقاً لمعادلة الحاجة الى الاستقرار والشروع في الاصلاحات، "وما قلناه هو ضرورة التوصل الى عمل مستدام. ثمة حاجة الى انجاز أمور اساسية كتحقيق العدالة الاجتماعية، وخلق فرص عمل، وهناك تفهم متبادل لهذه المسائل".
وعلى غرار القلق الذي نقله عضو مجلس الشيوخ الاميركي السناتور جوزف ليبرمان عن ميقاتي حيال الوضع في سوريا وتداعياته على لبنان، تثير ايخهورست مجموعة قضايا ركز عليها رئيس الحكومة في محادثاته الاوروبية. لعل ابرزها "التأكد من عدم حصول اي تعطيل جوهري للاحداث، وليس فقط على المستوى الامني. والتأكد من ان النظام يعمل وأن الحكومة قادرة على اتخاذ القرارات، كما ان الناس قادرة على تلمّس النتائج والتغيير وهذا ليس سهلاً".
في اي حال، لم يكن اقرار الاوروبيين مبلغ الـ30 مليون اورو الاضافية الى لبنان مفاجئاً، ولا سيما انه يبقى في نظرهم "منارة" الديموقراطية، على ان تخصص هذه المساندة لدعم برامج الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والقضاء المستقل والمجتمع المدني. وفي الاطار عينه، يتكرّر في حديثهم التزام الحكومة اللبنانية تعهداتها الدولية ودفع حصة لبنان من المحكمة، وسط اعتراف تنقله السفيرة الهولندية الأصل عن ميقاتي مفاده أن حصة السنة الجارية الى المحكمة قد استحقت. والى موضوع "اليونيفيل"، فإن ملف الاصلاح الذي شكل الموضوع الاساسي، ترافق مع طلب الحكومة اللبنانية دعما ليس مالياً فحسب وانما على مستوى تبادل الخبرات.
وعليه، لا ينكر الاوروبيون وجود "أجندة" كبيرة تتطلب ترجمتها ورشة على مستوى تعديل التشريعات والانظمة. وفيما يبدو المطلب الاهم اقتصادياً، انضمام لبنان الى منظمة التجارة العالمية الأمر الذي يفرض على البرلمان تبني 8 قوانين على الأقل، فهو ترافق مع مرارة أعرب عنها المسؤولون الاوروبيون، مردها تأخر لبنان في هذا المجال مقارنة ببقية دول المنطقة كالمغرب وتونس ومصر. ولم يغب عن المشاورات الملف الانتخابي، على وقع اسئلة كثيرة تتردد في أروقة سفارة الاتحاد "هل يمكن ان يتوافق اللبنانيون حول قانون جديد أم سيصار الى التفاهم حول بعض العناصر؟ أين اللوائح المطبوعة والكوتا النسائية؟ ما مصير السجال حول النظام الاكثري او النسبي؟ ما يهمنا هو التوصل الى نظام يحقق التمثيل وفقا لرغبات الشعب وتعزيز مسائل تتعلق بحقوق الانسان وحرية التعبير والرقابة."
في غضون ذلك، تمخضت المشاورات عن تحديد نحو 15 موضوعاً ذا طابع"اولوي" ضمن خطة عمل جديدة تندرج في اطار السياسة الاوروبية للجوار، في حين ينوي ميقاتي عرض خطة عمل للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي على منظمات المجتمع المدني لاشراكها في القرار. وعما اذا كان هذا التوجه يعكس اطمئناناً محلياً وغربياً حيال "طول عمر" الحكومة المهددة بمواجهة الشارع في اي لحظة، ترد:" الامر بسيط، لا يمكن وضع الاتحاد الاوروبي في خانة فريق 8 او 14 (آذار). من المهم ان تمارس المعارضة دورها. تلك هي الديموقراطية".
وعن رأيها بالدعوات الى قيام حكومة حيادية، تجيب: "نتفهم هذه المطالب. اما اذا كان الهدف ابقاء الاستقرار والامن والشروع في الاصلاح، فمن المهم تاليا العمل ضمن النظام القائم، بعد التأكد طبعاً من ان اللقاءات الوزارية تنتج قرارات".
ويبقى ان استنباط موقف لبنان من الدفع الغربي في اتجاه "الاتحاد من أجل المتوسط" والذي استحوذ على قسط من النقاش في الاعلام الاوروبي، بدا غائبا عن البيانات والتصريحات المحلية. وعن الملف وتوقيت إثارته، تعتبر السفيرة الاوروبية "أن لبنان في موقع جيد في هذا الاطار ولا سيما ان وزير الخارجية عدنان منصور كان سفيراً في بروكسيل ويعرف كيف تجري الأمور". وهي تنقل في هذا المجال اسئلة عن "اصدقائنا اللبنانيين" محورها "القيمة المضافة للبنان في حال انضم الى الاتحاد وكيفية مساهمته فيه".
في الشكل، بدا ان لقاءات بروكسيل مثلت فرصة شرح خلالها الاتحاد الاوروبي للبنان، كغيره من دول المنطقة، دوافع الانخراط في مشروع الاتحاد من اجل المتوسط وتوقيته. وفحواها رسالة واضحة نقلت الى المسؤولين تقضي بنزع اي طابع سياسي عن الملف وأهمية العمل المشترك معا "تقنيا" في مشاريع مهمة تتعلق بالبنى التحتية كالسكك الحديد والكهرباء.
لا شك في ان الجانب اللبناني أثار حالة الحرب بين لبنان واسرائيل، كأحد العوائق التي تحول دون المضي قدما في الطرح، علماً انه بات للاتحاد امين عام جديد وعُقدت وتُعقد اجتماعات تقنية متتالية بين الاطراف في بروكسيل في حضور رسميين. "انها مسألة حديثة جداً اطلقت قبل شهر، وتتضمن مقاربة جديدة" وفقاً للديبلوماسية الاوروبية التي تتحدث عن منح الشركاء وقتاً لمناقشة القضايا: "نحن منفتحون على الأسئلة. لم يقدم رئيس حكومتكم أي التزام. ربما يحتاج الى مناقشة المسائل مع مجلس الوزراء والرسميين. من جهتنا، رحبنا بزيارات اضافية من بروكسيل وإليها لتوضيح الأمور. لا تسأليني كيف يمكن ترجمة ذلك، فمن المبكر الاجابة. الأمر مرهون بموافقة لبنان. نتفهم ان لديكم صعوبات في الشبكة الاقليمية، ولكننا نتفهم في المقابل انه من المهم ان يتم العمل في اطار اقليمي حول مسائل تقنية".