الأربعاء الخامس من زمن القيامة
الرّسالة: فل 1: 21-30
21 فالحياةُ لي هيَ المسيح، والموتُ ربحٌ لي.
22 ولٰكن، إذا كانتِ الحياةُ في الجسدِ تُهيِّئ لي عملا مثمرًا، فلا أدري ماذا أختار.
23 والأمرانِ يتجاذبانني: أشتهي أن أرحلَ وأكونَ معَ المسيح، وهٰذا أفضلُ بكثير.
24 لٰكنّ بقائي في الجسدِ أشدُّ ضرورةً من أجلكم.
25 وبهٰذه الثّقةِ أعلمُ أنّي سأبقى وأقيمُ معكم جميعًا، من أجلِ تقدّمكم وفرحكم في الإيمان،
26 لكي يزدادَ ٱفتخاركم بي في المسيحِ يسوع، عندَ مجيئي إليكم مرّةً أخرى.
الثّبات على النّضال في سبيل الإنجيل
27 فسيروا إذًا سيرةً جديرةً بإنجيلِ المسيح، حتَّى إذا جئتُ ورأيتكم، أو كنتُ غائبًا أسمعُ عنكم أنّكم ثابتونَ في روحٍ واحد، مناضلينَ معًا بنفسٍ واحدةٍ في سبيلِ الإيمانِ بالإنجيل.
28 لا تخافوا في شيءٍ منَ الَّذينَ يقاومونكم: إنّ ذٰلكَ دليلٌ لهم على هلاكهم، ولكم على خلاصكم. وذٰلك هو منَ الله.
29 فقد وُهبَ لكم من أجلِ المسيح، لا أن تؤمنوا به فحسب، بل أيضًا أن تتألّموا من أجله،
30 مجاهدينَ الجهادَ عينهُ الَّذي رأيتموه فيّ، وتسمعونَ الآنَ أنّي لا أزالُ أجاهده.
شرح آيات الرّسالة:
21 غل 2/20؛ قول 3/3-4؛ روم 8/10-11.
22 روم 1/13؛ يو 15/1-8، 16.
23 2 قور 5/6-9؛ 2 طيم 4/6.
أرحل وأكون مع المسيح: يشتهي بولس هنا أن يكون مع المسيح حالًا بعد الموت، دون أن يشرح كيف يتمّ هٰذا اﮕتّحاد. ويعبّر عن هٰذه الرّغبة الملحّة مرّة أخرى فقط (2 قور 5/6-9). أمّا في رسائله الباقية فيتكلّم عن قيامة الموتى، في مجيء الرّبّ الآخِر (1 تس 4/13-18؛ 1 قور 15/12-23؛ روم 14/10). ولا يوفِّق بين النّظرتين.
25 2 تس 1/3.
وأُقيمُ معكم جميعًا: إنّه شعور بالثّقة في نفس بولس، لا ينفي شعوره بٱحتمال الحكم عليه بالموت (2/17). وقد تحقّق في زيارته الثّانية لأهل فيلبّي (رسل 20/1-6)، بعكس ما عبّر عنه من حَدْسٍ في ميليتس لشيوخ كنيسة أفسس، سنة 58، بأنّهم لن يروا وجهه، لأنّه عاد فزارهم في أفسس، بعد نهاية أسره في رومة، سنة 62.
26 فل 2/16؛ 1 قور 15/31؛ 2 قور 1/14؛ 5/12؛ 1 تس 2/19.
ٱفتخاركم بي: لا يجوز افتخار إلا بالرّبّ. أمّا ٱفتخار مؤمني فيلبّي ببولس فهو لأنّ حضوره بينهم ينعش فيهم نعمة الله. وكذٰلك يفتخر بولس بمؤمني فيلبّي، لأنّهم ثابتون في نعمة الله إلى المنتهى (2/16؛ 1 تس 2/19).
1/27-2/18 في هٰذا القسم الثّاني من الرّسالة، ينتقل بولس إلى الأمر والتّحريض والتّشجيع على الأمانة المسيحيّة الّتي مثالها المسيح نفسه.
27 أف 4/1؛ قول 1/10؛ 2/5؛ 1 تس 2/12؛ 3/8؛ غل 5/1؛ أف 4/3-4.
سيروا: الفعل في الأصل اليونانيّ مشتقّ من لفظة "مدينة"، فيعني حرفيًّا "سيروا سيرة مواطن في مدينته"، أي وَفْقَ دستور مدينته. مدينتنا الجديدة هي مملكة الله، مَلِكها المسيح، ودستورها الإنجيل، وفيها المسيحيّ مواطن (3/20؛ أف 2/19). تلك نعمة عظمى تجعل المسيحيّ، إذا وعاها، يسير سيرة جديرة بالإنجيل (1 تس 2/12؛ 2 تس 1/11؛ أف 4/1؛ قول 1/10).
في سبيل الإيمان: حرفيًّا "لإيمان الإنجيل"، أو "بإيمان الإنجيل". فالإنجيل يعني البُشرى الّتي تولّد الإيمان (من أجل إيمان الإنجيل)، أو البُشرى الّتي تُقبَل بإيمان (بإيمان الإنجيل).
28 2 تس 1/5.
وخلاصكم: تشديد جديد على عمل الله الخلاصيّ (1/6-11). ثبات المؤمنين تُجاه أعداء خلاصهم علامة أكيدة على حكم الله، وتأكيد مُسبَق للنّصر الأخير (2 تس 1/5-7).
29 2 تس 1/4-7؛ متّى 5/10-11.
31 رسل 5/41؛ 16/22؛ فل 1/7، 13؛ قول 1/24؛ 1 بط 1/6-7.
رأيتموه فيّ وتسمعون الآن أنّي لا أزال أجاهده: عانى بولس ٱضطهادًا وسجنًا في فيلبّي (رسل 16/19-40؛ 1 تس 2/2)، ويعاني الآن قيودًا وسجنًا وحكمًا في أفسس (أنظر 2 قور 11/24؛ 12/10). أهل فيلبّي يشاركون بولس في جهاده (1/7)، ولا يزالون يناضلون معه في سبيل الإنجيل (1/27؛ أنظر قول 1/29؛ 2/1؛ 4/12
الإنجيل
متّى 16: 21-28
يسوع يُنبئُ بآلامهِ وموته وقيامته
21 مِن ذٰلكَ الحين بدأ يسوع يبيِّنُ لتلاميذهِ أنّهُ لا بُدَّ أن يذهبَ إلى أُورشليم، ويتالَّم كثيرًا على أيدي الشُّيوخ والأحبار والكتبة، ويُقتَل، وفي اليوم الثّالث يقوم.
22 فأخذهُ بُطرسُ على حِدَة، وبدأ ينتهِرَهُ قائلا: "حاشا لكَ، يا ربّ! لن يحدث لكَ هٰذا!".
23 فأشاحَ يسوع بوجهه وقال لبطرس: "إذهبْ ورائي، يا شيطان! فأنتَ لي حجرُ عَثْرة، لأنَّكَ لا تُفكِّرُ تفكير الله بل تفكير البشر".
اتّباع يسوع
24 حينئذٍ قالَ يسوع لتلاميذه: "مَن أراد أن يتبعني، فليَكفُر بنفسِهِ ويحمِل صليبهُ ويتبعني،
25 لأنَّ مَن ارادَ ان يُخلِّص نفسهُ يفقِدُها، ومَن فقَدَ نفسهُ من أجلي يجِدُها.
26 فماذا ينفع الإنسان لو ربِحَ العالم كلَّهُ وخَسِرَ نفسهُ؟ أو ماذا يُعطي الإنسان بدلًا عن نفسهِ؟
27 فإنَّ ٱبنَ الإنسانِ سوفَ يأتي من مجدِ أبيه، مع ملائكته، وحينئذٍ يُجازي كلَّ واحدٍ بحسبِ عملهِ.
28 ألحقَّ أقل لكم: إنَّ بعضًا من القائمين هُنا لن يذوقوا الموت، حتَّى يروا ٱبنَ الإنسان آتيًا في ملكوته".
شرح آيات الإنجيل:
21 متّى 4/17؛ 26/16؛ 12/40؛ 17/12، 22-23؛ 20/17-19؛ لو 13/33؛ يو 2/19؛ رسل 10/40.
من ذٰلك الحين: ٱستعمل الإنجيليّ هٰذا التّعبير هنا، وفي 4/17 مشدّدًا على تحوّل جديد في مجرى حياة يسوع العلنيّة: بعد جواب بطرس، جواب من يؤمن بيسوع مسيحًا منتظَرًا، ولأوّل مرّة، حدّث يسوع تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته، لئلّا يتوهَّموا أنّه الملك الزّمنيّ الَّذي ينتظره اليهود، جامعًا في شخصه دور "المسيح الملك المجيد" ودور "خادم الله المتألّم"، ليُعدّ تلاميذه للحدث العظيم. وقد أعلن ذٰلك 3 مرّات (16/21؛ 17/22-23؛ 20/17-19)، وهو متوجّه إلى أورشليم (16/21-20/34).
يسوع: ترجمة أخرى "يسوع المسيح" تهمل مخطوطات "المسيح"، ومخطوطات "يسوع المسيح": لم يرد هٰذا التّعبير في الأناجيل إلا في هٰذه الآية وفي متّى 1/1، 18 ويوحنّا 17/3.
يقتل ويقوم: يرمي الإنجيليّ من إعلان يسوع موتَه وقيامته إلى التّشديد على حرّيّة يسوع وطاعته لمشيئة الله الخلاصيّة: ليس موت يسوع حدثًا محتومًا، أو عابرًا، بل هو حدث حرّ خلاصيّ يتمّم مشيئة الآب.
وفي اليوم الثّالث: لا يقوم يسوع بعد ثلاثة أيّام كما في مرقس 8/31، بل في اليوم الثّالث، وإن يستعمل متّى تعبير مرقس في موضع آخر (27/63).
22-23 إذهب ورائي: يأبى بطرس على المسيح أن يسلك طريق الألم والموت: بطرس، صخرة الأساس في بناء الكنيسة، يصبح صخرة عثور في طريق يسوع الخلاصيّة. ينفر منه يسوع نفوره من الشّيطان (متّى 4/10)، ويدعوه إلى السّير وراءه في تلك الطّريق.
23 متّى 4/10؛ مر 8/33.
24 متّى 10/38-39؛ لو 14/27.
من أراد: بعد أن يعلن يسوع، لأوّل مرّة، موته وقيامته، ترد، في الأناجيل الإزائيّة، آيات تشدّد على ضرورة الكفر بالذّات، إذا ما أردنا أن نتبعه. راجع شرح 4/20. وفي هٰذه الآية شرطان: التّخلّي عن حبّ الذّات، وحمل الصّليب.
25 متّى 10/39؛ لو 17/33؛ يو 12/25-26.
يفقد ويجد: يشرح يسوع قوله على صعيدين مختلفين: النّجاة من الموت في الدّنيا موت في الآخرة، والبذل بالذّات في الدّنيا، الموت في سبيل يسوع، حياة في الآخرة. وهٰذا يحتّم الإيمان بيسوع القائم، وٱتّباعه، وإلا فالخسارة لا تُعوّض. وقد يكون في هٰذا الكلام إشارة إلى ٱضطهاد المؤمنين في بدء البشارة والشّهادة المسيحيّة.
26 متّى 4/8-9.
خسر نفسه: أهلكها روحيًّا في الآخرة. النّفس في هٰذه الآية، وفي الآية السّابقة، تعني الشّخص نفسه، الأنا. جميع خيرات الأرض لا توازي لحظة من حياة الملكوت.
27 متّى 25/31؛ 2 تس 1/7؛ مز 28/4؛ 62/13؛ 31/24؛ أي 34/11؛ إر 17/10؛ 50/29؛ مثل 24/12؛ سي 35/22؛ روم 2/6؛ 1 قور 3/8؛ 2 قور 5/10؛ 11/15؛ أف 6/8؛ 1 بط 1/17؛ رؤ 2/23؛ 20/12؛ 22/12؛ 2 طيم 4/14؛ غل 6/7-9؛ متّى 13/39؛ رؤ 14/15.
يجازي كلّ واحد بحسب عمله: يستعير يسوع تعبير مزمور 62/13: لم تتّضح فكرة الثّواب والعقاب الشّخصيّين، في العهد القديم، إلّا لدى الأنبياء، لدى حزقيال خاصّة (14/12-23؛ 18؛ 33/10-12)، ولدى الحكماء (مثل 24/12؛ سي 11/26؛ 16/12-14)، وفي المزامير (37؛ 62/13). ولٰكنّها ظلّت مقتصرة على الجزاء في الدّنيا، وإن ناقضها واقع الحياة (سفر أيّوب). هو دانيال أوّل من تكلّم على ثواب وعقاب في الآخرة (12/2-3)، وتبعه المكابيّون (2 مك 7/9). أمّا في العهد الجديد فالرّجاء المسيحيّ قائم على الإيمان بيسوع المسيح الحيّ، المخلّص، والدّيّان في اليوم الآخِر حيث يجازي كلا بما عمل (متّى 25/31-46؛ رؤ 2/23؛ روم 2/6؛ 2 طيم 4/14).
29 متّى 10/23؛ 20/21؛ 24/30، 34؛ 26/64.
آتيًا في ملكوته: مَتَى؟ أَلَدى دمار أورشليم؟ أم لدى ظهور يسوع بعد قيامته؟ أم لدى تجلّيه؟ أم لدى مجيئه يوم الدّين؟ الجواب غير واضح: الإنجيل لا يذكر كلمة يسوع في إطارها التّاريخيّ الأصليّ، بل يحشرها بين المجيء يوم الدّين (متّى 16/27) وبين التّجلّي (متّى 17/1). لقد فهم الجيل المسيحيّ الأوّل أنّ يسوع كان يشير إلى مجيئه يوم الدّين (يو 21/23)، ولٰكن من المعلوم أنّ يسوع، ككلّ الأنبياء، كان يعلن ما سيحدث لمعاصريه (في القائمين هنا 16/28).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد: اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلاح بكرم الرّب