#dfp #adsense

النزاهة في لبنان، منفى

حجم الخط

 عصر الثلثاء 24 نيسان كان موعد تذكُّر فؤاد شهاب في الأونيسكو. قلة ضئيلة حضرت، تأملها الرئيس حسين الحسيني وذكّر أصحابها بقول السموأل: إن الكرام قليل! وتأمل الوزير جان عبيد سرب الأوفياء للتجربة اليتيمة في إقامة دولة القانون، وأخبرهم أن فؤاد شهاب كان مبتئساً يوم وفاته، خائفاً على وطن لم يستطع حمايته من شعبه، وعلى شعب لم يستطع صونه من فرقته.

كانوا قلائل، والأكثريات لم تحضر: تعنّفها ذكرى الورعاء والمترفعين. تمرمر ضمائرها الرخوة ذكرى العفة السياسية والطهارة المطلقة والكف غير المدنّسة بفسق أو فساد، والنفس الأعلى من الشبق الصغير والشبق الكبير والشبق الذي بينهما.

"ألبسه الله مهابة الطلعة والطلة وأكسبه بلاغة العمل والصمت في آن"، قال جان عبيد، وهو يسترجع مآثر صاحب "استقلال الدولة". الرجل الذي بنى الجيش الاستقلالي، ثم عبثاً حاول بناء الشعب المستقل. بحث عن الفقراء والمتعبين يحاول ضمهم الى كنف الدولة ورعايتها، بحث عن البسطاء يهزم بهم الإقطاع المتعدد الرأس، بحث عن روابط فوجد قبائل صغيرة غارقة في "طشت" من الجبنة والفتات.

غابوا جميعاً. يذكّرهم فؤاد شهاب بأنه في سبيل الدستور، رمى التجديد من النافذة. وفي سبيل احترام النفس، ألقى بالنفوذ من الباب. ومن أجل مكانته في ميزان التاريخ وعلاقته الكبرى بذاته، مشى فوق المال كما مشى المسيح فوق المياه. يكرهه المُحتَقَرون والسراقون وذوو السجلات السود. أو المبيَّضة.

كان تجربةً نادرة فؤاد شهاب. عرف استحالة الحلم، وغامر بأن يحلم. عرف مدى الصغارات وحاول ان يرتفع بها. رأى صدور اللبنانيين بالأشعة وتجاهل ما رأى. شاهدنا خلال الحفل فيلما وثائقيا عن بعض حياته، فماذا شاهدنا؟
زوجة جميلة تسرّح شعرها كالجدّات، ولا تذهب الى "الكوافور" ولا يأتي اليها.

سيدة ترسل ثوبها الى ما فوق الكاحل بقليل. وما يظهر فوقه عبارة عن جوارب غامقة وسميكة. كان يحب الصلاة والخشوع، ويكره الطائفية والعصبية والطائفيين وتجار الهيكل، وتجار الاوطان، وتجار الأرواح، وتجار الأرض، وفجّارها.

صامتاً كالخلق والورع كان. اذا حكى استشار في كلامه كبار الصاغة وذوي العقول والثقافات. هذا الرجل الذي رموه بأنه لم يخرج من السلام جدوده، تصرف طوال العمر، عسكرياً عالياً ومدنياً أعلى، على أن كتابه في يمينه. "لذلك سعى إلى ان يولي في همه اصحاب الحاجات على اصحاب القدرات"، يقول جان عبيد. كان هاجسه كرامته وكرامة لبنان وما امكن من كرامة اللبنانيين. عرف جمال عبد الناصر ان هذا هو ثمنه الوحيد فأقام خيمة على نصفي الحدود مع سوريا يلتقيه فيها. وبعد ذلك الزمن صار يأتي وزير خارجية سوريا الى قصر الجمهورية في بعبدا فيجتمع له الرؤساء الثلاثة، ويحضر وزير الخارجية تمويهاً على خلل الصورة وفضيحة البروتوكول وسقوط الحياء، أي الحياء المشترك.

رأى ان حفظ العلاقة مع الخارج لا يكون باحترام الحدود، بل باحترام النفس. أقام العلاقة الأولى المنظمة مع لبنانيي الانتشار ولكن من غير ان يذهب اليهم. كان يدعى الى الزيارة فيقول لسفراء البلدان: هم لبنانيون مثاليون بقدر ما هم مواطنون ممتازون في دياركم. لقد صاروا ضيوفا عندنا اما عندكم فأهل واجب. وللسفراء الذين قالوا له ان اللبنانيين تعبوا اشد التعب ونجحوا كل النجاح، كان يجيب: كوفئوا بما سعوا.

طلب من السياسيين البعض القليل مما طلبه من نفسه. حرم عليهم الفساد وحرمه على نفسه إلا راتبه ثم تقاعداً شهرياً من ألف ومئة ليرة. لم يدّع شيئا ليس فيه، ولم يتبجح بحرف ليس في صلب سلوكه. صمتٌ هو الدرس، ومسلكٌ هو الكلام، ومسيرة فوق كل انواع الشبهات والرغبات والمطالب.

كان يخاف اللبنانيين ولا يثق بهم، لذلك حاول ان ينظم حرياتهم السياسية وليس المدنية. ولعله تشدد في القانون. ومارس انضباطا لم نعتده. وبعد المحاولة التي قام بها السوريون القوميون صار لديه خوف على النظام. وأقلقه كثيراً ان الايديولوجيا الفكرية تجاوزت قسَم الجيش وروحية العسكر. وكما كانت المحاولة الانقلابية طيشاً واضحاً في مسيرة الحزب، تحولت محاكمات القوميين ندبا في الجسم اللبناني. كلاهما وقع في مرحلة خاطئة. فقد كان ابن جونيه يرى في لاطائفية القوميين سندا جوهريا لتجربته، لا استعجالا عليه.

رأى فؤاد شهاب ان المشروع الأهم للوحدة اللبنانية هو في خفض حجم الهوة بين فظاظة الفقر وفجور الغنى. قال لجان عبيد قبل وفاته بساعات انه من دون ذلك سوف يتزعزع الاستقرار. كانت له رؤية واحدة هي حماية لبنان بتحصين مجتمعه. لو عاش لاكتشف ان الدولة تماحك الفقراء والمعوزين والذين لا طعام لهم سوى الخبز، على وزن الرغيف. هي نفسها الدولة التي تعوّض الكسارات بنصف مليار دولار وتقنن الكهرباء في القرى والمدن، ولا يعنيها ان بيروت معتمة في انتظار بواخر "غودو".

هي الدولة التي تشاجرت مع احد وزرائها ونفته في خناقة حول الحدود الدنيا للأجور الدنيا. الدولة التي تقيم حربا على الاطعمة الفاسدة من غير ان تجرؤ على تسمية فاسق واحد.
في الحرب العالمية الثانية اشتدت وطأة الازمة الاقتصادية على الإسبان فأمرت حكومة الجنرال فرانكو جميع الافران بعدم بيع الخبز الا في اليوم التالي: لأن رطوبة الرغيف تجف، وتاليا يزن الكيلو عدداً اكبر من الارغفة. نحن اختصرنا شيئا: مئة غرام من كيلو الخبز وربع سنة من محكومية السجناء، بصرف النظر عما فعلوا وعما ارتكبوا وبماذا دينوا.

نشأ فؤاد شهاب يتيماً، عرف معنى قسوة العوز. عمل مباشرا في محكمة جونيه. ولما اعتلى قوس قيادة الجيش ثم قوس الرئاسة، لم ينس لحظة كيف كان يرى الدنيا من تحت. تقاسم راتب القيادة ثم راتب الرئاسة مع فقراء الجمعيات وبسطاء البيت. لا بهرجات ولا مظاهر فاجرة او فارغة في ما كان يسمى "القصر". مجموعة مكاتب وعلبة دخان "ينيجه" صنع ادارة التبغ والتنباك. كان ذلك الترف الوحيد.

اسمحوا لي ان اروي لكم مرة اخرى – فقط للمناسبة – ما اخبرني به غير مرة الرئيس الياس الهراوي. فبعيد انتخابه قرر ان يتفقد احوال الرؤساء السابقين وعائلاتهم. وعندما سأل روز فؤاد شهاب بماذا يمكن ان يساعد قالت ارملة يتيم تجربة الدولة:
Merci, Monsieur le président, je ne veux rien que la dette de l'épicier qui est de trois cent dollars!

تأملت تسريحة شعرها ونحن نشاهد الفيلم عن فؤاد عبدالله شهاب و"ملكة جمال توكيه" التي لم تحب سواه من ضباط الكلية الحربية القريبة من سان سير. ومن يروي الحكاية، نقلا عن عمدة "توكيه"؟ نعم نعم. ريمون اده، النسخة المدنية من نزاهة فؤاد شهاب. الأمير والاريستوقراطي اللذان لو تلاقيا عند مفرق الحرية، لربما تغيرت اشياء كثيرة في مصائر هذا البلد. الاول لم يعرف الطفولة في حياته والثاني مات طفلا عن 87 عاما، يريد ان يغير الناس، وان يلجم الغرائز، وان يفرض على الشعب الدخول في مدرسة القانون: من الروضة الى التخرج.

ليس من يتذكر ريمون اده. يخشون ان يكون الحضور اقل ايضا. كلاهما كان له رأي واحد في اللبنانيين. الامير الساخر ابدا، والبورجوازي المتأفف ابدا. لم اعرف فؤاد شهاب الا في الكتب. او في "الكتاب"، كما كان يسمي الدستور. اما الموازي الآخر فقد كانت سنوات رفقته من متع العمر. آية في الظرف والنزاهة والترفع والتمرد والاعتراض: يا خيي شو بيعرفك انتا؟ ليش انتا كنت خلقان وقتا؟ خلليني خبرك انا شو القسةّ!

ظل العميد يخبر حكاية انشاء لبنان واستقلاله وسقوط اللبنانيين، الى ان قال لطبيبه: غدا سوف يكون بلا تتمات. فلما اعترض الطبيب أنّبه ضاحكا: غدا اليوم الاخير. انا العميد، مش جنابك. وأغمض في الغد عينيه في وحدة المنفى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل