الانتخابات ليست غداً… مهلاً أيها المستعجلون
الدوحة حمى الاقتراع لكنه لم يعد موجوداً
فجأة بلا مقدمات اندفعت أحزاب وخلفها مرشحون ووسائل إعلام إلى الانتخابات النيابية 2013 كأنها حاصلة غداً وكأن الفوز لمن يَسبق في معركة حياة أو موت.
لعلّ الذكرى تنفع، والمقارنة. آخر انتخابات في لبنان عام 2009 كانت سبقتها قبل سنة حوادث 7 أيار 2008 لزوم حاجة "حزب الله" إلى الخروج من مستنقع الإعتصام وسط بيروت. "اليوم المجيد" ذاك في أدبيات الحزب أوصل إلى اتفاق الدوحة الذي وفّر المظلة السياسية الآمنة لانتخاب رئيس للجمهورية توافقي ومتفق عليه، ومن ثم لتأليف حكومة توافقية جديدة أشرفت على الإنتخابات النيابية بعد سنة على قاعدة قانون 1960 في ذكرى مرور 59 عاماً على إقراره، والذي حظي هو أيضاً بتوافق مسبق عليه في الدوحة.
فوق تلك التفاهمات هيمنت ضمانات والتزامات كبيرة، على ما يروي بعض الذين عايشوا أسرار تلك الحقبة وتفاصيلها. أبرز الإلتزامات تلك كان ضمناً بين صانعي "الدوحة" قضى بتوقف الفريق الذي استرسل في اغتيال قادة قوى 14 آذار عن أعمال القتل. في المقابل تعهّد الفريق الذي دعم فريق 14 آذار مالياً كي يتمكن من مواجهة موجة ترهيبه العالية أن يوقف ذلك الدعم. وهكذا كان.
تلك الأيام، يقول العارفون، كل الأطراف الذين شاركوا في "الدوحة" كانوا على علم بأن مرحلة جديدة ستبدأ بمجرد توقيعهم الإتفاق. سينصرفون على الفور إلى التحضير للمعارك الإنتخابية وستكون مرحلة معاهدة "السين- السين" أي التفاهم السعودي- السوري الذي لم يُفاجئ أحداً وإن تصنّع بعضهم مفاجأة أو تجاهل معرفة مسبقة به. ولاحقاً سيحقق كل طرف فوائد من ذلك الإتفاق".
كل الفئات السياسية المعنية التزمت الإتفاق في مرحلة معينة. فتوقفت الإغتيالات كما توقف تمويل بعض التيارات السياسات والأحزاب وذهب الجميع إلى انتخابات معلبة بغالبيتها محسومة النتائج. كانت الغاية منها تحديد الأحجام السياسية للأطراف كافة.
لاحقاً، سيتنصل بالممارسة من اتفاق الدوحة فريق لجأ إلى التهويل باستخدام السلاح في العمل السياسي ذات "فجر قمصان سود"، واستقال من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس سعد الحريري، فأسقطها وأتى بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي.
ولعلّ محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع في مقره في معراب برصاصات قنص بعيدة المدى كانت أبلغ تعبير على أن التفاهمات التي تضمنّها اتفاق الدوحة أصبحت في خبر كان. لم يتبقَ منها أثر.
ويسأل العارفون: بأي منطق يتصرف الأطراف السياسيون اليوم قبل سنة من موعد الإنتخابات كأنها حاصلة غداً وكلّ منهم يعدّ لتحالفاته قائمة، وهم يعلمون بأن اتفاق الدوحة بمضامينه المعلنة وغير المعلنة لم تعد له قائمة؟
ويسألون أيضاً: هل يرضى "حزب الله" بالإحتكام في 2013 إلى صناديق الإقتراع من دون أن يحصل على ضمانات مسبقة تبقي الأوضاع في لبنان على ما هي اليوم، حتى لو سقط النظام الذي يحالفه في سوريا، وحتى لو خسر مع حلفائه المحليين الإنتخابات؟ وهل يرضى فريق 14 آذار بإعطاء الحزب الشيعي المسلّح مرة أخرى ضمانات تحت الشعار الشهير: "جيش وشعب ومقاومة"؟
وهل أن الوضع الأمني الذي يفرضه "حزب الله" يساعد في حصول عملية إنتخابية سليمة وسلمية؟ وأين تقع الدول التي ما زالت قادرة على ضمان اتفاقات فوق لبنان بعدما أصبحت منطقة الشرق الأوسط ساحة نزاعات شديدة ومتعددة أبرزها النزاع الأميركي – الإيراني؟
لكل هذه الأسباب، وغيرها، يجب أن يسمع المهرولون إلى صناديق الإقتراع: مهلاً أيها المهرولون. لاحقون!
