#dfp #adsense

بين التين والعليق كيف يزهر برعم المواطنة ربيعاً؟

حجم الخط

نواجه في لبنان وفي منطقة الشرق الأوسط تحديات هائلة هذه الأيام، تطال اشكاليات وجودية وحضارية، كما تطرح أسئلة جوهرية تتعلق بالحريات ومفهوم المواطنة، الى جانب تحديد الدور للجماعات والأوطان. وفي هذا الاطار، يشكل لبنان بخصوصيته كوطن وكيان، موقعاً مؤهلاً للاضطلاع بدور ريادي في اطلاق مبادرات حوارية تجيب عن العديد من هذه التساؤلات.

انطبع القرن الماضي بتوسع الأنظمة الشمولية، خصوصاً في نصفه الأول، مع الثورة البولشيفية، الى الفاشية والنازية وغيرها، وصولاً الى انقسام العالم حول قطبين، إلا ان القرن الحالي يشهد عودة انبعاث الغنى في التعدد: الثقافي منه والديني والفلسفي وحتى الكياني.

في القرن العشرين، بنيت الديموقراطية على قاعدتين اساسيتين: حقوق الفرد وحق الأكثرية في الحوكمة، إلاّ أني اعتقد جازماً، أن الديموقراطية في القرن الحالي ستبنى على قاعدة أساس ثالثة، تتمثل بوجوب الحفاظ على الأقليات، والعمل على تطويرها وتألقها. وعليه، هل يجوز في عالمنا اليوم لوطن ومنطقة، يعيشان ايمانيات مشرقية أصيلة، أن يتحول الايمان فيهما نقمة بدل أن يكون نعمة؟ أليس عيباً أن نحيي نتائج منظومة أثبتت فشلها ولا نبحث عن بدائل؟

لم يعد المطلوب اصطناع كلمات للمناداة بالعيش المشترك، بل تحصين بناء مكونات الانسان اللبناني وكل انسان في هذا الشرق، ليصبح مواطناً أولاً. المطلوب واضح. إننا نتطلع الى زمن ما بعد التعايش، الى نموذج اقتصادي – اجتماعي يحمي الفرد والضعيف. إننا في حاجة الى نظام يستوعب الصدمات ويستنبط الطاقات في تطوير مستدام. نظام يحقق نمواً اقتصادياً، ويحسن مستوى المعيشة ويوزّع الثروة الوطنية بعدالة بناءة. نظام فيه إنماء متوازن ولامركزية خلاقة.

كما نأمل في حراك مسيحي – اسلامي مدني يطور النظام ويجدده، فلا يمكننا بعد اليوم الاكتفاء بنظام يحفظ السلم الأهلي ويحتوي الصراع في الشارع لينقله الى المؤسسات. وما نرجوه هو تجاوز الشلل العام نحو نظام منتج، يفعّل عمل المؤسسات، ويطلق النمو ويفتح آفاق الابداع، دون خسارة الأمن والاستقرار.

ألسنا كلنا نطمح الى منظومة تطلق طاقات أبناء لبنان على أرض لبنان دون أن تهجره؟ وتوفّر شبكة أمان اجتماعية واقتصادية وأمنية، بل عسكرية، بفضل قيمة مضافة تنتج فائضاً وقدرة اقتصادية محلية، لا بمنة من فرد أو جماعة أو بلد أو محور؟

عملياً، إذا أردنا مجتمعاً فاسداً كالذي نحن عليه، نحفّز الفساد. وإذا ارتضينا مجتمعاً كاذباً كالذي نطالعه في يومياتنا، نحفّز الكذب. أما إذا أردنا مجتمعاً وطنياً، فعلينا أن نحفز مفهوم المواطنة. إذ لا يمكن أن نجني من العليق تيناً ولا تيناً من العليق. ويبقى السؤال: أنريد فعلاً تيناً لا عليقاً؟

كيف يكون ذلك في ظل نظام تظلله المحسوبية في كل تعيين اداري، عوض التطوير في الدستور والأنظمة، فتعلو الكفاية والوطنية على كل استزلام؟ كيف يكون ذلك ومنظومتنا الضرائبية تشجع التوظيف الريعي وتعاقب التوظيف في توفير فرص العمل؟ كيف يكون ذلك ونحن نرضى بادارة بيروقراطية عقيمة، عوض أن نطلق ادارة مبادرة وشبابية؟ كيف يكون ذلك ونحن نشهد التبعية لدول ومحاور اقليمية ودولية من أجل المال والسلطة، ولا نستنبط قانوناً انتخابياً يحفّز فك الطوق أمام انتاج منظومات متكاملة اجتماعية واقتصادية وسياسية حرة وغير مرتهنة. وبشفافية تامة، كيف لبرعم المواطنة أن يشهد ربيعاً في أجواء كهذه؟ كيف للمواطنة أن تزهر خارج عقد اجتماعي ووطني جديد؟ وهل يمكن التجدد خارج عقلنة المجتمع، لتفكيك بزور التوتر والانقسام؟

بصراحة، علينا تطوير ميثاقنا وصيغتنا. بصراحة أكبر، لقد آن الأوان لصياغة عقد مجدد ينقلنا الى ما بعد التعايش، الى رحاب الدولة المدنية القادرة والحيادية المبدعة، المبنية على الثوابت الثلاث للديموقراطية: حق الفرد وحق الأكثرية في الحوكمة وحق وواجب الحفاظ على الأقليات وخصوصياتها. ولماذا التردد في فتح أبواب الحوار مشرعة حول دولة مدنية كهذه؟ فهي ليست تيوقراطية ولا ملحدة. ومن حق الدين فيها أن يعطي حكمه الأدبي… عندما تقتضي حقوق الشخص البشري الأساسية وكرامته، التدخل في واجب اعتراض الضمير.

ولمن يسأل عن علامة نجاح الأنظومة الجديدة التي ننشد، فهي تتجسد باستعادة عصر نهضة ثقافية وفنية، يتزاوج معها الإرث القيّم للديانات مع التجديد، بل تظهر معها تلك البركة الخاصة في تظهير البعد الثالث للإنسان الكل، بقيمته الإلهية المحبة والمبدعة، بما فيها جانبه الروحي. كما تتجسد علامات نجاحها بالأمان المجتمعي، وبتكاثر البحوث العلمية، وبالتألق في التربية المدنية والبدنية، وبتسجيل العديد من براءات الاختراع. وهي منظومة لا تأتي عفواً او صدفة، وإذا أتت عرضاً، فهي غير قابلة للحياة والاستمرار. فالتفوق والابداع المستمر، لا يأتيان إلا بعد وضع منظومة متكاملة تحفز التفوق والإبداع الدائم.

إن رسالة لبنان، إنما تتجسد بالتناغم الايجابي للطوائف في دولة توافقية ومنتجة، تحرر طاقات شبابنا العظيمة. والأهم فيها، هو أن نجهد سوياً لنكون للشرق كله مثالاً حياً لوطن مشرقي تعددي مبني على طموحات شعبه الحقيقية والمشروعة. هكذا ندخل زمن التألق والتجدد. هكذا تكون طرق التفوق والأبداع. هكذا نحضر الأرضية المثلى، من هنا من أرض لبنان العابقة ببخور الكتب المقدسة، للحوار بين الثقافات لا للنزاع بين الحضارات.

المصدر:
النهار

خبر عاجل