كتب وسام أبوحرفوش في صحيفة "الراي" الكويتية:
يسلم الجميع في بيروت ان الحكومة «الممنوعة من السقوط»، دخلت قبل عام من الانتخابات النيابية في غيبوبة عميقة، تفقدها القدرة حتى على «تصريف الاعمال» كونها «ممنوعة من الصرف» نتيجة الاخفاق في التوصل الى اتفاق يخرجها من «الأنفاق» القانونية – السياسية لشرعنة إنفاقها من خارج الموازنة.
وقالت اوساط واسعة الاطلاع في بيروت لـ«الراي» ان الخلافات في شأن «قوننة» الانفاق المالي، لا سيما بين مكونات الاكثرية لا تعدو كونها «رأس جبل جليد» الخيارات المتناحرة التي تجعل من الملف المالي مجرد «اسم حركي» لصراعات يختلط فيها المحلي بالاقليمي في لحظة بالغة الحساسية.
وتستند الاوساط في خلاصاتها الى الوقائع غير المسبوقة التي خرجت الى العلن في الايام الماضية، وتجلت بالحملات العنيفة التي شنها زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون على رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط، اللذين تعاملا معها على انها تضمر رسالة من «حزب الله»، الحليف الرئيسي لعون.
ولم يخف جنبلاط عتبه على «حزب الله» وسط كلام قريبين منه عن «خناجر في الظهر»، في الوقت الذي خرج سليمان عن صمته عبر قوله «لقد طفح الكيل»، وبدا عاتباً على مؤازرة «حزب الله» وحركة «امل» (يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري)، عون في حملته عليه وتحميله مسؤولية «التعطيل».
وفي تقدير اوساط محايدة ان الصراع يرتبط بمروحة من المعطيات ابرزها:
* عمليات استطلاع بـ «النار السياسية» لمناخات على صلة بالانتخابات النيابية للعام 2013، تترافق مع محاولات طرح مشاريع قوانين تحسم مسبقا نتائجها. وهو ما يفسر اصرار «8 آذار» وعون على قانون النسبية في اطار لبنان دائرة واحدة، ورفض جنبلاط المشروع الذي يضمر تهميشه.
* تداعيات الازمة السورية التي اعادت جنبلاط، من دون ان يغادر الحكومة طمأنه لـ«حزب الله»، الى المزاج السياسي الذي تعبر عنه «14 آذار»، وهو ما تجلى في حرصه على تطبيع علاقته مع السعودية، وما تمليه تلك العلاقة من تموضعات عشية انتخابات تقرر مصير التركيبة الحاكمة في البلاد.
* دفع الامور في لبنان الى «توتر مضبوط» في تحضير المسرح لمماشاة الوقائع المتحركة في الازمة السورية والحوار على حافة الهاوية بين الولايات المتحدة وايران… فلبنان الذي يتم التعاطي معه على انه «الحديقة الخلفية» لسورية شهد تنافساً مباشرا بين واشنطن وطهران اخيراً.
وفي غمرة هذا الصراع، ثمة اسئلة في بيروت عن «صمت» رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي بدا وكأنه «ينأى بنفسه»، وعن خروج بري من دور الاطفائي ووقوفه الى جانب عون و»حزب الله».
ثمة من يقول ان بري وميقاتي ابلغا منذ مدة «رسالة سورية» شديدة الوضوح بان «عون خط احمر» بالنسبة الى دمشق، وهي الرسالة التي اقترنت بـ «عتب» على الرئيسين وبكلام نسب الى الرئيس السوري بشار الاسد عن ان سورية ستعيد النظر في علاقاتها اللبنانية في المرحلة المقبلة.
وهكذا التأم مجلس الوزراء وعلى جدول أعماله مشروعيْ الـ 8900 مليار ليرة (معدَّل) التي أنفقتها حكومة ميقاتي العام 2011 من خارج الموازنة وسلفة خزينة بقيمة 4800 مليار ليرة عن الاشهر الستة الاولى من سنة 2012، الى جانب كل «العصف» السياسي الذي عبّر عنه «الكلام الكبير» الذي صدر في الساعات الأخيرة.
ولعلّ «المحور» الذي سجّل «السخونة» الأعلى كان على «جبهة» صراع «الجنرالين» سليمان وعون الذي سرعان ما «تمدّد» ليؤشر الى امتدادات اخرى له لا يقف بعيداً عنها «حزب الله».
وفي هذا الإطار، اكتمل هجوم زعيم «التيار الحر» على رئيس الجمهورية على خلفيّة رفضه توقيع مرسوم الـ 8900 مليار ليرة، بخروجه للمرة الاولى علناً مشككاً في دستورية انتخاب سليمان في مايو 2008 اذ اعتبر انه «تمّ انتخاب فخامته بمخالفاتٍ دستورية لأنّ الوضع كان استثنائياً»، لافتاً أن رئيس الجمهورية «يريد أن يجبرنا على أن نخالف بهدف تسوية وضع رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة وحمايته».
وعلى وقع وقوف ائتلاف «أمل» – «حزب الله» مع عون برفض الصيغ البديلة المتداولة لمعضلة الإنفاق المالي والإصرار على ان يوقّع سيمان مرسوم الـ 8900 مليار ليرة، كان لافتاً ما نُقل عن رئيس الجمهورية من انه عاتب على كل من «حزب الله» وحركة «أمل» الداعمين لهجوم عون عليه، وانه مستاء من «تقديم الحزب لائحة طلبات بالتعيينات التي يريدها في الدولة، في تراجع عن الآلية التي وضعها وزير الحزب محمد فنيش».
وفيما نقل الزوار عن سليمان أنه لن يبقى في موقع متلقي الهجوم، وانه يهدد «بقلب الطاولة على الجميع»، لمس هؤلاء ان «الكيل لدى رئيس الجمهورية قد طفح»، وانه ضاق ذرعاً بكل هذه العرقلة ومحاولات الاستئثار والفرض «إذ يتفقون خارج مجلس الوزراء على ما يريدون ويأتون الى المجلس لفرضه» مكرراً انه يرفض أن يغطي أي خلاف سياسي بمخالفة دستورية، كما يرفض أن يحمله أحد أي مسؤولية في عدم توقيعه مرسوم الـ 8900 مليار ليرة.
واذ اشار الزوار الى ان رئيس الجمهورية يعتبر ان الأمور بلغت الخط الأحمر، كشفت تقارير عن كلام قاله بري لميقاتي وعكس محاولة ضغط اضافية على سليمان في موضوع الـ 8900 مليار.
وبحسب تقارير فان بري خاطب ميقاتي في آخر لقاء بينهما بالقول: «لم أعد أستطيع ان أتحمل عنكم وان آخذ في صدري قضايا هي من اختصاصكم. عليكم ان تتحملوا مسؤولياتكم، وإذا لم تفعلوا فأنا لن أتدخل بعد اليوم وسأمارس دوري كرئيس للسلطة التشريعية من دون زيادة أو نقصان».
وفي «مسرب» آخر عكس ان الحكومة باتت «حقل ألغام» احتدمت «المعركة الكلامية» بين عون وجنبلاط، اذ توجّه الاول و»بالإصبع المرفوع» الى الزعيم الدرزي مهدداً (ردّا على وصفه بـ«الشتّام» في مهرجان «صوفر»): «الأفضل لك التزام الصّمت (…) أوعا بعد تفلّت لسانك أحسنلك فقد عانينا ما عانيناه منك»، متوعدا الزعيم الدرزي بـ «فتح ملف صندوق المهجرين» وبرفع «الحصانة النيابية» عنه، وآخذًا على زعيم «المختارة» تحيته شهداء «القوات اللبنانية» وشهداء «الكتائب» الذي سقطوا في حرب الجبل ابان الحرب اللبنانية من دون أن «يتقدم جنبلاط و»القوات» بالاعتذار من ضحايا» هذه الحرب.
ولفت ما نُقل عن الوزير وائل ابو فاعور (من كتلة جنبلاط) خلال لقائه بري اول من امس اذ قال رداً على استفسار الاخير أسباب هجوم جنبلاط الأخير على «حزب الله»، ان «الامر عائد إلى كون الحزب يغطي هجوم عون على جنبلاط، ولأننا نجلس مع الحزب على الطاولة ذاتها، فيما هو يخفي خلف ظهره خنجر النسبية (في قانون الانتخاب)».