
كتب جورج بكاسيني في صحيفة "المستقبل":
كانت الساعة تقترب من التاسعة ليلاً في الثامن من أيار عندما اتصل النائب السابق سمير فرنجية بالزميل نصير الأسعد، الذي كان موجوداً في مبنى جريدة "المستقبل"، ليبلغه أنّ معلومات موثوقة وردته تفيد أنّ هجوماً سيتعرّض له مبنى الجريدة في صباح اليوم التالي.
لدى اطلاعي من الأسعد على مضمون الاتصال طلبت منه إبقاء الموضوع محصوراً بيننا وعدم إعلام الزملاء لنتأكد ممّا يحصل. اتصلت على الفور برئيس التحرير الزميل هاني حمود لأبلغه أنّ ثمّة طارئاً يجب أن أطلعه عليه فقال "أنتظرك في قريطم الآن". فور خروجي من مبنى الجريدة الموازي لمنزل الرئيس عمر كرامي فوجئت بوجود ساتر ترابي، في الشارع المؤدي إليه، يقطع الطريق ويتقدّمه عدد من المسلحين. فعدت أدراجي وانحرفت باتجاه طريق مطعم العجمي، لأجد حاجزاً مماثلاً، فعلمت حينها أنّ طوقاً قد ضُرب حول موقع الجريدة خصوصاً بعد أن فشلت في سلوك طريق ثالث وهو الملاصق لمبنى المديرية العامة لأمن الدولة، ما اضطرني إلى العودة إلى مبنى الجريدة حيث توجّهت على الفور إلى فندق "بورياج" المقابل لمبنى "المستقبل"، وطلبت من إدارته حجز غرف لتأمين مبيت الزملاء الذين لم يعد في امكانهم العودة إلى منازلهم.
وبالفعل قبل منتصف الليل بقليل انتقلنا نحو 20 زميلاً إلى الفندق. سهرنا حتى ساعة متقدمة من الليل نفكّر في ما يمكن أن يحدث من سيناريوات، قبل أن نسترخي للنوم. فيما بقي الزملاء نصير الأسعد، نبيل أبو غانم، عمر حرقوص، قاسم خليفة، عبد السلام موسى، أيمن شروف، طلال بيضون، وطارق الكعكي في مبنى الجريدة، فهم فضّلوا البقاء في المبنى لمتابعة التطوّرات التي تحصل في بيروت عبر وسائل الإعلام.
مقاومو 7 أيار "يحرّرون" مكاتب التحرير
حمود: هدفهم إسكاتنا..فإلى "دار الصيّاد"
التلفزيون محاصراً في .. عهدة الجيش
وقائع كثيرة يتذكّرها الزميل حرقوص من تلك الليلة: "كنا نقوم بتحضير مواد عدد يوم الجمعة، طُلب منّا أن لا نخرج من المبنى لأن الوضع سيئ جداً في بيروت ولا معلومات عن الطرق التي يمكن سلوكها خوفاً من عمليات الخطف والقتل التي يمكن أن يمارسها "حزب الله" وحلفاؤه.
لم يكن في بالنا أن العاصفة ستهبّ من جديد، وسنكون نحن في جريدة "المستقبل" هدف الهجوم. في تلك الليلة تأبّط "البيك" (الاسعد) ذراع الزميل قاسم، ليدور الحديث عن "الجنون" الذي يفتعله السلاح في بيروت والمناطق.
رغم الإرهاق والجوع الذي حاول عبد السلام وأيمن "سدّه" بقطع من "البسكويت"، لم ينتصر عليهما ملاك النوم. جلسا في مكتب أبو غانم، ووضعوا "الركوة" على النار، وراحوا يرتشفون القهوة، ويتبادلون أطراف الحديث حتى ساعات الفجر.
تبادلوا المزاح حول ما يمكن أن يواجهوه في حال دخل المسلحون إلى مبنى الجريدة وكيف يمكنهم مقاومة المقاتلين. أحاديث و"سالفات" هادئة تخّفف من هول المعارك. عمر يراسل الأصدقاء عبر "الانترنت" عن الأوضاع. الجميع في الخارج خائفون.
أبو غانم يجلس في غرفته المطلّة على مخيم مار الياس، يستمع إلى نشرات الأخبار ويصرّ على إعداد القهوة العربية كل ساعتين لتعبق رائحتها في الطابق فيستيقظ الشباب.. أيمن شروف وعبد السلام موسى يتنقّلان بين الغرف أو يستمعان إلى نصير يخبرهما عن النضال الحزبي أيام الحرب الأهلية وخصوصاً مرحلة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، فيما يتراسل عمر مع رفاقه في العديد من الأماكن عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك". الجميع في الخارج يريدون معرفة ما يدور من حولنا.
عبد السلام يشعر بلسعة برد. أدار محرّك السيارة كي يعمل نظام التدفئة، أرخى مقعده إلى الخلف، وأغمض عينيه. وإذ به يسمع طرقاً على الباب. إنه طارق. كان يهمّ بمغادرة الجريدة إلى منزله، إلا أنه لاحظ أن المبنى محاصر بعدد من المسلحين. قال له وعلامات الخوف بادية على وجهه "يبدو أنهم يريدون الهجوم على الجريدة"، فلم يكترث لكلامه قائلاً: "انصرف، أريد النوم، هم في كل مكان، ولكن لن يهاجمونا".
ما هي إلا لحظات، حتى سمع عبد السلام أزيز الرصاص، ورأى رشقاته تنهمر بغزارة على مبنى الجريدة. نزل من السيارة، من دون أن يدري من أين يأتي الرصاص، وما إذا كان سيكون صيداً لقناص يقف على احد الابنية المقابلة. فوجئ بطارق مختبئاً خلف سيارته، فقال له "انبطح أرضاً". بقيا على هذه الحالة أكثر من 10 دقائق. الرصاص ينهمر عليهما، ولا من مفرّ، فالمسلحون يُحكِمون الحصار على الجريدة، ويصرخون "يا مستقبل سلِّم تسلم"، وكأنهم يحرّرون مزارع شبعا.
أما أيمن فكان مختبئاً بالقرب من سيارته، يبحث عن منفذ يهرب منه، فإذ به يركض مسرعاً باتجاه مكان لم يكن الرصاص قد وصل إليه. ويشير لطارق وعبد السلام بيده كي يتبعاه. قفز عن الحائط المزنّر بشريط شائك، وحذا حذوه عبد السلام من ارتفاع خمسة أمتار، وركضا باتجاه مدخل خلفي للجريدة.
على الدرج كان الزميلان يتسابقان مع رصاصات القناص. صعدا إلى الطابق الثالث حيث مكاتب التحرير، وجدا عمر و"البيك" وخليفة وأبو غانم يقفون في ممرّ لا يطاله الرصاص. فوجئوا بقدومهما، سألوهما "أين كنتما"؟
سمع عمر صوتاً قوياً يأتي من أمام مدخل الجريدة: "مستقبل.. إرم سلاحك، بسرعة"، وتبع ذلك رشق ناري. تقدّم من وسط الغرفة في الطابق الثالث باتجاه مدخل الشرفة، ليسمع صوتاً أعلى "مستقبل.. إرم سلاحك، بسرعة"، وينهمر الرصاص من عدّة أمكنة بشكل كثيف.
" بدأ الهجوم"، قال الزميل يوسف بزّي بصوتٍ عالٍ علّني أصحو وأنا أغطّ في نوم عميق في الفندق المقابل لمبنى الجريدة. توجّهنا على الفور إلى بهو الطابق. نظرنا من النافذة إلى الشارع فوجدنا أكثر من أربعة مسلّحين يتقدّمون إلى مدخل مبنى الجريدة بصوت واحد: "مستقبل سلِّم تسلمْ". قال بزّي: "آخر مرّة سمعت هذه العبارة على لسان جنود الاحتلال الإسرائيلي لدى اجتياحهم بيروت العام 1982". عُدنا إلى الخلف. الزميل المصوّر حسام شبارو همّ بالنزول إلى الأسفل. سألته "إلى أين"؟ فقال "أريد أن أصوّر المسلّحين يقتحمون الجريدة". صرخت بصوت عالٍ "إرجع حالاً إذا نزلت لن تعود".
اتصلت بالزميل هاني حمود لأطلعه على ما يجري. قال "انتبهوا، لا تقلقوا، تجنّبوا الخطر قدر المستطاع، الشيخ سعد يجري اتصالات بقيادة الجيش، المهمّ أن تسلَموا". اتصلت بي الزميلة وردة الزامل من إذاعة "صوت لبنان" لأروي لها ما يجري عندنا على الهواء، فاعتذرت عن عدم التعليق لأنني لم أجد أن الوقت مناسب للمقابلات الصحافية.
رصاص في كل مكان
بعد دقائق يتزايد إطلاق النار من حولنا. نسمع صراخ المهاجمين وهم يقتربون، يشتموننا ويتقدمون. الزجاج يتناثر في الغرف. الرصاص المتفجّر يمزّق المكان. عمر يقول لقاسم "يطلقون النار على مبنى الجريدة". لكن قاسم لم يقتنع إلاّ بعد زخّة رصاص كادت تصيبه.
الرصاصات المتطايرة التي بدأت بتدمير أجهزة "الكومبيوتر" جعلته يصرخ بعمر أن يبتعد عن الزجاج ويركض خارج الغرفة، لكن إلى أين المفرّ. يذهبون سريعاً باتجاه غرفة نصير، هناك ينهمر الرصاص عليهم بكثافة اكبر ليصيب الأبواب الخشبية. فيما تنفجر القذائف الصاروخية في طوابق المبنى. يتناثر الزجاج مع انفجار قذيفة على حافة باب الغرفة الخارجي من جهة الشرفة. هنا في هذا المكان تتطاير الأدوات المكتبية. يستيقظ نصير على صوت عمر وقاسم، وينظر إليهما غير مصدّق أن الكابوس الذي كان يمرّ سريعاً في رأسه وأصوات المعارك التي كان يحلم بها هي حقيقية وتدور من مبنى مقابل باتجاه مبنى الصحيفة. يتوجه الثلاثة إلى ممرّ آمن بين الغرف الكبيرة. يسأل نصير عن الحالة فيضحك عمر قائلاً "إننا الحالة". في إحدى الغرف المقابلة يصرخ لهم نبيل أبو غانم ليدخلوا إلى حيث هو. تنفجر قذيفة "إينيرغا" خارج باب الممرّ الذي يقفون فيه. ينظرون إلى بعضهم البعض للتأكد مما إذا أصيبوا أم لا وقد أصيب قاسم فعلاً بقطعة زجاج صغيرة في ذقنه.
بعد دقائق يشتد الهجوم على المبنى. قذائف "الآر بي جي" تخرق جدرانه، يشتعل الحريق في الطابق الرابع. يصل الدخان إلى الغرف التي يختبئ الزملاء فيها في الطبقة الثالثة، والذين لم يعد في إمكانهم النزول إلى الطوابق السفلى لأنّ مداخلها مستهدفة بالرصاص والقذائف المتفجّرة.
يتصل عمر بقناة "أخبار المستقبل"، يطلب من الزميل حسين الوجه مدير الأخبار إذاعة خبر الهجوم على الجريدة فيحوّله إلى الزميلة سحر الخطيب التي كانت تذيع نشرة الأخبار في تلك الأثناء. تسأله "عمر كيف الحال عندكم"؟.. يجيب: "الحال هي أنّ مجموعة من الصحافيين ناموا في مبنى صحيفتهم وها هم يستعدّون للموت.. يطلب منّي الزملاء بقربي أن أناشد القوى الأمنية التدخّل سريعاً لانقاذ الجريدة والإعلاميين فيها، فلا مقاتلين عندنا، ولا أسلحة، نحن صحافيون فقط".
نصير أقلق الزملاء فهو يريد النزول إلى باحة الجريدة غير مكترث لكمّ الرصاص الذي ينهال على المبنى، وهم يحاولون ثنيه. ينجح أبو غانم في مسعاه، يغريه بفنجان قهوة في مكتبه الذي بقي بمأمن من الرصاص. رويداً رويداً بدأوا يشمّون رائحة حريق في الطابق الرابع الذي استهدف بقذائف "الار.بي.جي". بدأ الحريق بالتمدد إلى الطابق الثالث. كادت الرائحة تخنقهم وقد أصبحوا يتنفسّون بصعوبة. شعروا أن صوت الرصاص أصبح أقوى من أي وقت مضى، فاستنتجوا أن المسلحين وصلوا إلى مدخل الجريدة، وباتوا قاب قوسين أو أدنى من مواجهة مصير أسود كلباس المسلّحين.
قرابة السابعة، سمعوا ضربات على البوابة الحديدية الرئيسية للمبنى، إنهم يحاولون فتحها لدخول الجريدة. يصل الزميل جمال صبرا ويخبرهم عن إصابة طلال في قسم التنضيد بطلق في ساقه.
دقائق ويتوقف دوّي الرصاص والقذائف. يطلق صوت من آلية. ينظرون من الشباك الجانبي للبناء فيرون جنوداً من الجيش اللبناني يقتربون، فيما "الأشاوس" ينسحبون إلى الخلف بهدوء.
يخرجون من مخبئهم ويرون حجم الدمار اللاحق بالمبنى. هنا مكاتب تحرير قسم المحليات، حرّرها عناصر "المقاومة" من كل شيء. الشظايا والرصاصات المتفجرة متناثرة في كل مكان، ودخان حريق الطابق الرابع ينتقل إلى الطابقين الخامس والثالث. يتوجّهون إلى الطابق الأرضي حيث وصلت قوة من الجيش.
طلال المصاب يحاول إيقاف النزيف بقطع قماش مزّقها من قميصه. يروي ما حدث معه وكيف لم يستطع الانتقال بعد إصابته وهو يستمع إلى صراخ المسلحين يقتربون من المبنى.
يدخل جنود الجيش اللبناني إلى المكان. يسألون عن السلاح، يجيبونهم "إننا صحافيون وليس لدينا أسلحة"، فيصرّ الضابط على وقوفهم ورفع أيديهم إلى الجدار كما لو أنهم متّهمون. رفضوا ذلك فبدأ الضابط بشتمهم. يتدخّل نصير "نحن طلبنا القوى الأمنية لتحمينا وليس لإهانتنا"، فتشّتد حمية الضابط ويرتفع صراخه ويقول للجنود أخرجوا من المبنى "وخلّوا المقاتلين يعرفوا يأدّبوهم". حاول الشباب تهدئة الوضع، فيدخل أحد الضباط الأعلى رتبة منه، ويعمل للتهدئة، فيقول له الضابط الأول "سيدنا أنا المسؤول هنا.. أرجوك لا تتدخّل".
ما زلنا أحياء نرزق يقول عبد السلام: "أسرعنا بالنزول إلى باحة الجريدة، لنجد عناصر الجيش اللبناني تحيط بالمكان. الشرعية هنا، "الحمد لله .. مرّت على خير"، إلا أننا فوجئنا بمعاملة سيئة من الضابط المكلّف قيادة الدورية، وكأننا من كان يطلق النار، ونحن العزّل من أي سلاح سوى قلمنا الذي لم نكن نملك غيره. في باحة الجريدة، افترش أيمن وعبد السلام الارض. كان الخبر قد شاع في الخارج، وبدأت الاتصالات ترد من الاهل والاصدقاء، وكان جوابنا "الحمد لله.. مرّت على خير". في تلك اللحظة، كان تفكيرنا مشتتاً، نستعيد شريط الذاكرة، وتذهب بنا مخيلتنا إلى رسم صورة ما كان سيحصل لو لم يأت الجيش".
يفتّش الجنود المبنى، لا يجدون أي سلاح. تصل سيارة من فوج الأطفاء وتبدأ إطفاء الحريق الكبير في الطابقين الرابع والخامس. أحد الزملاء يجمع من البناء بقايا القذائف والرصاصات والشظايا، ويسأل هل هنا تل أبيب أم الكنيست الإسرائيلي؟.
في أحد المباني المقابلة وهو قيد الإنشاء، يراقب مقاتلو "تحرير مزارع شبعا" تحركات الإعلاميين والصحافيين القادمين. يقول عمر مضيفاً: "ننظر إليهم من بعيد، نجد هناك مَن صنّفنا عدواً له. نحاول جمع ما تبقى من أغراضنا، لا نجد شيئاً. كل الغرف مدمّرة إن لم تحترق. المبنى الذي دخلنا إليه في العام 1999 لإصدار "المستقبل" في أعدادها الأولى، والسهر طويلاً لإيصال صوت المقاومين في الحروب التي شنّتها إسرائيل على لبنان، وعدد يوم "التحرير" في 25 أيار 2000 الذي رفعه الكثير من المواطنين في منازلهم.. وأيام السهر في حرب تموز لمتابعة العدوان والتهجير الذي أصاب الناس، احترقت كلها مع المبنى في ذلك الصباح".
حاولت مع زملاء مراراً أن ننتقل من الفندق إلى مبنى الجريدة للاطمئنان إلى نصير وعمر وقاسم وأيمن وعبدالسلام ونبيل، لكننا لم نفلح. كلّما تقدّمنا خطوة أطلق قنّاص النار في اتجاهنا من مبنى مقابل. اتصلت بالزميل حمود مرّة ثانية علّه يستطيع تأمين دورية من الجيش لإخراجنا من المنطقة. بعد دقائق أبلغني أنّ العميد غسان بلعه مساعد مدير المخابرات في الجيش اللبناني آنذاك سيتولى الموضوع. وبالفعل اتصل العميد بلعه بعد قليل ليبلغني أنّ قائد الجيش (آنذاك) العماد ميشال سليمان أعطى تعليمات لكي تقوم دورية من الجيش بنقلنا من الرملة البيضاء إلى "أي مكان نريد".
بعد نصف ساعة تماماً وصلت دورية من المخابرات قوامها ثلاث سيارات مدنية. أدّى ضابط المجموعة التحيّة لنا قائلاً "الدورية بتصرّفكم، إلى أين تريدون أن تتوجّهوا"؟ سارعت إلى القول "إلى ساحة ساسين في الأشرفية". سلكنا طريق رأس النبع مروراً بالسوديكو، فشهدنا ما حلّ بشوارع بيروت من خراب. لدى وصولنا إلى ساحة ساسين استقللنا سيارات "تاكسي" إلى أحد فنادق سن الفيل حيث أمضينا طيلة فترة التهجير القسري.
.. إلى "دار الصياد"
هناك تلقيت اتصالاً جديداً من رئيس التحرير يبلغني خلاله أن هدف الاعتداء على مبنى الجريدة هو "إسكات صوتنا، لذلك لا يجب أن نحقّق هدفهم. السيدة إلهام فريحة مدير عام دار الصياد تنتظركم وهي وضعت مكاتب الدار بتصرفكم لإصدار الجريدة. انتقلوا إلى هناك وحاولوا استئناف الصدور في أسرع وقت ممكن". وبالفعل فتحت فريحة لنا اثنين، قلبها والدار، فيما اتّصل عشرات من الزملاء الذين كانوا في منازلهم مبدين رغبة في الحضور للمساعدة في إصدار الجريدة، حيث تمكّنا بعد أربعة أيام من استئناف الصدور (في 14 أيار) وعادت "المستقبل" إلى قرّائها بالتوقيت نفسه الذي عادت فيه قناة "أخبار المستقبل" إلى البثّ أيضاً بعد أن جرى تهديدها بالحرق في حال لم توقف البثّ.
الزميل حسين الوجه مدير "الأخبار" في قناة "اخبار المستقبل" يتذكر وقائع كثيرة من ذلك التهديد: "كنا زملائي وأنا في المحطة نتابع الأخبار مثل باقي الأيام ونقوم بإعداد النشرات والبرامج. معظم الزملاء كانوا حاضرين نتيجة أجواء التوتر الذي كان سائداً، قبل ان يلتحق مَن تبقّى من الزملاء وبمبادرة فردية منهم بقسم الأخبار قاطعين إجازاتهم الأسبوعية.
وصل بعضهم سيراً على الأقدام لأن ميليشيا "حزب الله" كانت قد بدأت باجتياح العاصمة. فتعطّل عملنا فعلياً لأننا لم نعد نتمكن من إرسال مراسلين ومصورين لتغطية ما يحصل في الشوارع، بعدما شاهدنا الاعتداءات على المراكز الصحية وكذلك على منازل المواطنين وقتلهم بدم بارد".
يضيف الوجه: "واصلنا تقديم نشرات الاخبار والمواجز ونقلنا عبر الهاتف مباشرة على الهواء صرخة اهالي بيروت واستغاثاتهم قبل ان يبدأ بعض الزملاء بتلقّي رسائل نصّية على هواتفهم من مصادر مجهولة تحذّرهم من أن مبنى التلفزيون سوف يقصف ويحرق وعليهم مغادرته فوراً، فضلاً عن الاتصالات الكثيفة من أهالي الزملاء للاطمئنان عليهم بعدما علموا بما تقوم به ميليشيات "حزب الله" وأتباعها بمؤسسات "المستقبل".
مع ساعات الغروب لجأت هذه الميليشيات إلى أسلوب جديد تمثّل بإطلاق الرصاص بالقرب من مبنى التلفزيون قبل أن تعمد إلى إطلاق الرصاص على المبنى. هنا قرّرنا أن يبقى في المحطة فريق العمل الأساسي لإعداد نشرات الأخبار فقط وتم استئجار غرف في فندق قريب من التلفزيون نقل إليه الزملاء الذين لا حاجة ضرورية لبقائهم لصعوبة تأمين وصولهم إلى منازلهم".
… والتلفزيون تحت التهديد
لدى اتصال عمر حرقوص بقسم الأخبار في التلفزيون تكثّف إطلاق النار على مبنى المحطة. بعد دقائق ولدى بث نشرة السابعة صباحاً مع الزميلة سحر الخطيب، وصل إلى مبنى التلفزيون ضابط من الجيش اللبناني وقال للوجه ما حرفيته: أحمل إليك رسالة من قيادة الفوج، عليك وقف بثّ التلفزيون وإخلاؤه من جميع الموظفين". أجابه حسين: "لن أوقف البثّ وإذا أرادوا الدخول إلى التلفزيون فأهلاً وسهلاً، فننقل دخولهم مباشرة على الهواء، نحن ليس لدينا ما نخفيه، كل ما لدينا هو أقلامنا وأجهزة الكومبيوتر".. قال الضابط: "تشاور مع إدارتك ولو كنت مكانك لأوقفت البث التلفزيوني حفاظاً على حياة زملائك". نظر حسين إليه مشيراً بأصبعه باتجاه برج المر "كل هذا الجيش المنتشر من برج المر وحتى مصرف لبنان عاجز عن حماية مبنى تلفزيون كل ذنبه أنه يقف مع أهالي بيروت"؟ اكتفى الضابط بالقول: "أنا أبلغتك رسالة قيادة الفوج وهذا رقم هاتفي عندما تقرّرون الإخلاء اتصل بي، ولسنا مسؤولين عمّا يحصل".
بعد ذلك اتصل الوجه بإدارته وروى ما حصل معه، فُطلب منه مواصلة البثّ. أجرت الإدارة اتصالات مع قيادة الجيش، لكن نتيجتها لم تكن أفضل مما أعلنه الضابط.. فتقرّر وقف البثّ حفاظاً على أرواح عشرات الزملاء الذين كانوا موجودين في المحطة. جرى الاتصال بالضابط نفسه الذي كان أبلغ الوجه رسالة الإقفال، فحضر إلى المبنى وقام بجولة داخل الاستديو. طلب منه الوجه بقاء زميلين تقنيين في المبنى لمواجهة احتمال حدوث عطل كهربائي، فوافق وأكد أنّ مبنى التلفزيون أصبح في عهدة الجيش اللبناني.
على الأثر انتقل الزملاء إلى استديوات المحطة في سن الفيل ليفاجأوا أن سيارات رباعية الدفع وصلت إلى مبنى التلفزيون في القنطاري، تقلّ عناصر من "حزب الله" ومعهم تقنيون من تلفزيون "المنار" قاموا بعملية تخريب مدروسة لكل أجهزة التلفزيون بعدما سطوا على كل ما سجلته كاميرات المراقبة. فيما نجت بأعجوبة مجموعة من موظفي محطة "المستقبل" التي حوصرت في مبنى الأرشيف في الروشة بعدما طوق عناصر من الحزب السوري القومي الاجتماعي المبنى، واستهدفوه بوابل من القذائف كانت كفيلة بإحراقه وإحراق صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي كانت مرفوعة على جدران المبنى، ما اضطر قائد فوج المنطقة الحضور شخصياً على رأس قوة من الجيش لانقاذ الزملاء المحاصرين.
بدأت مرحلة جديدة قوامها التحضير للبث من استديوات "بيروت هول". فيما بدأ الإعلاميون حركة اعتصامات ومسيرات في اتجاه مبنى "أخبار المستقبل".
صباح التاسع من أيار استفاقت بيروت من دون عيون ولا شهود. جريدة "المستقبل" غابت عن الصدور ومعها صحيفتا "اللواء" و"الشرق" ومجلة "الشراع". كما منعت محطة "أخبار المستقبل" من البثّ ومعها إذاعة "الشرق" وإذاعة "سيفان" الأرمنية التي أُحرقت بالكامل.. ليتاح لأصحاب اللباس الأسود أن يسرحوا ويمرحوا في المدينة من دون حسيب أو رقيب.
يوم سقطت المقاومة في سلاحها (2)…الحريري: لن أخرج من بيروت إلا شهيداً.. شهيداً.. شهيداً
7 أيار… يوم سقطت المقاومة في سلاحها: قرار "الغزو" كان جاهزاً… بانتظار "القرارين"