#dfp #adsense

الحريري يطرح المعادلة الصحيحة والصعبة

حجم الخط

في خطابه الأحد الماضي في ذكرى 7 أيّار، قال الرئيس سعد الحريري ما نصّه: "كما قلنا سابقاً وكرّرنا أنّنا لا نحمّل طائفة أو مجموعة أو فئة من إخواننا اللبنانيين مسؤوليّة دماء رفيق الحريري الذي نعتبره شهيد كلّ لبنان، فإنّنا لا نحمّل طائفة أو مجموعة بعَينها مسؤوليّة 7 أيّار 2008 (..)".

بعدَ هذا الخطاب، بفقرته المذكورة التي كانت "صادمة"، سُئل الرئيس الحريري: إذا كانَ عدم تحميل طائفة أو مجموعة أو فئة مسؤوليّة دماء رفيق الحريري مفهوماً حتىّ في ظلّ اتهام العدالة الدوليّة لأعضاء من "حزب الله" بجريمة الاغتيال، فلماذا يا دولة الرئيس حيّدتَ "حزب الله" عن جريمة 7 أيّار 2008 وهو قد تبنّاها بنفسه مراراً وذهب أمينه العام إلى حدّ اعتبارها "يوماً مجيداً في تاريخ المقاومة"؟.

أجاب الرئيس الحريري: إنّ مسؤوليّة "حزب الله" عن 7 ايّار 2008 معروفة، وقد أكّدت انّ ذلك اليوم مشين قادَ السلاح والاستقواء به إليه، لكنّني قدّرتُ أنّ من شأن التذكير بمسؤوليّة الحزب وتسميته المباشرة أن يجعلا من خطابي خطابَ شحن إضافيّاً، وهذا ما لم أكن أريد للخطاب أن ينحو في اتجاهه، في ظرف لبنانيّ مشحون أصلاً وفي بلد مُتعب. وأضاف: ليكن مفهوماً أنّ الفتنة بالكاد كامنة ولستُ أنا مَن يوقظها، وأنا أتمسّك بكلّ جهد يمنع انفجار الفتنة، السنيّة – الشيعيّة تحديداً، تمسّكاً منيّ بالسلم الأهلي في وطني وأرفض المساهمة في انزلاق البلد إلى أثمان كبيرة، ولو كان المقابل موقفاً ظاهره "تحييديّ" كما جاء في السؤال.

عندَ هذا الحدّ انتهى جواب الرئيس سعد الحريري. الجوابُ الذي قد لا يقنع البعض لجهة تحييد الحزب عن المسؤوليّة عن 7 أيّار، يفيد أنّ الاعتبار لديه هو حفظ السلم الأهليّ أيّاً تكن الظروف المحيطة بسلام لبنان بالغة الصعوبة.

على أنّه، وفي ما يتجاوز جوابَ الحريري عن سؤال محدّد، لا بدّ من الانتباه إلى "نسق" الخطاب في حدّ ذاته.

ففي متن الخطاب، يلفتُ الحريري إلى كافّة جوانب الأذى الذي ألحقه سلاح "حزب الله" ويلحقه بالشعب اللبناني من كلّ الطوائف والمناطق، بالحياة الوطنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، بالدولة، وبالنظام الديموقراطيّ. ويلفتُ إلى النتائج المدمّرة للسلاح وللاستقواء به، بما في ذلك داخل الطائفة الشيعيّة نفسها، حيث خَصّ الحريري "أهلنا في الجنوب والضاحية" بملاحظة حجم الآثار التي أصابهم السلاح بها.

وما يورده الرئيس الحريري في متن خطابه، يمكن اعتباره بمثابة رسالة واضحة إلى "حزب الله".

تقولُ هذه الرسالة ما يأتي: إنّ المنطقة يا "حزب الله" تتغيّر، إنّ سوريّا تتغيّر وإيران تتغيّر ظروفها، ولبنان لن يبقى على ما هو عليه، أي لن تبقى المعادلات التي مَكّنتك يا "حزب الله" مِن تدمير جوانب كبرى من حياة البلد. وتقول الرسالة: إنّ مشروعك وسط المتغيّرات جميعاً، بما في ذلك وسطَ الأكلاف التي تقود الشيعة إلى دفعها، لا يمكن أن يستمرّ. بل هو مشروع ينتهي بالفعل، لأنّه أصبح من حقبة ماضية.

وعندما أعلن الرئيس الحريري في خطابه أنّ الأمور في لبنان سائرةٌ باتجاه أن يصرخ اللبنانيّون: "الشعب يريد إسقاط النظام"، فهو كانَ، إلى كلّ المضامين الآنفة للرسالة إلى "حزب الله"، يوجّه تحذيراً إلى الحزب: إمّا أن تتغيّر مع المتغيّرات، وإمّا أن تعيد صَوغ مشروعك السياسيّ، أو سيخرج الشعب من كلّ الطوائف والمناطق ليقول: "أريد إسقاط النظام".

و"النظام" هنا، أي في خطاب الحريري، لا يُفهم إلّا على أنّه "نظام حزب الله". والحال أنّ رئيس "تيّار المستقبل" يحقّ له أن يعتبر أنّ النظام القائم في لبنان حالياً هو "نظام حزب الله"، والسلطة القائمة هي سلطته وحكومته وسلاحه. ولكَم كان الرئيس الحريري واضحاً في قوله إنّ اللبنانيين ما طردوا النظام السوريّ ووصايته من لبنان كي يقبلوا بنظام وصاية بديلة.

وفقاً لكلّ المقدّمات السابقة، يكون خطاب سعد الحريري مؤسَساً على معادلة شديدة الوضوح ومعقّدة في آن: رفض الفتنة ومَنعها من جهة والتنبيه على "الشعب يريد إسقاط النظام" من جهة اخرى. أي انّ المعادلة في عمقها تعني أنّ الحريري و"المستقبل" و 14 آذار وشطر كبير من الرأي العام في كلّ الطوائف سيسيرون نحو "الشعب يريد إسقاط النظام" توازياً مع منع الفتنة. المعادلة صعبة على رغم وضوحها، لكن يمكن ألّا تكون مستحيلة. والنظام المطلوب إسقاطه هو تكراراً "نظام حزب الله".

يبقى السؤال موجهاً إلى "حزب الله"، لا سيّما أنّ الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله يطلّ غداً: هل تلقّى كما يجب كلّ هذه المضامين أم إنّه سيتّجه باتجاه الشحن الطائفي؟ هل
سيكون لسان حاله بقاء نظامه ولو على حساب لبنان وشيعته أيضاً وعلى حساب السلم اللبناني؟.

هل يَنحو "حزب الله" باتجاه مبادرات توقِف الشحن وتفتح الأبواب، لا سيّما أنّ المبادرات في يده هو؟

إنّ حرص سعد الحريري على السلم الأهلي وعلى التغيير الديموقراطيّ معاً، تكمن أهميّته في كونه يعبّر عن نفسه في ظروف بالغة الخطورة، ووسط إشارات معاكسة لهذا الحرص.

النظام السوريّ ساقط، لا بل هو سقط. فهل يساهم "حزب الله" في منع الأخطار، أم تسكنُه – وإيران – الفكرة العبثية بتعويض نظام الأسد في لبنان؟!.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل