عندما اعلن ميشال عون حرب "إلغائه" الأولى والثانية ضد "القوات اللبنانية"، كان جزءٌ كبيرٌ من اللبنانيين، سنّةً، وشيعة، ودروز ومسيحيين، ومجتمع مدني، يُحمّل "القوات" مسؤولية وقوع الحرب، معتقداً ان مشكلة عون محصورةٌ بـ"القوات" دون سواها.
شيئاً فشيئاً توسعّ "بيكار" الحروب "الإلغائية"، ليطال الجميع من دون استثناء…"ضُرِبتُ يوم ضُرِبَ الثور الأبيض"، عندها فقط أدرك هؤلاء، حجم الظلم التاريخي اللاحق بـ"القوات"، وأيقنوا ان مشكلة عون ليست مرتبطة بالقوات، بقدر ما هي مُشكلة "عقلية"، لسان حالها: "أنا او لا أحد"!!.
عقليةٌ كهذه قد تصلح للعمل "السياسي" في "جمهوريات الموز"، او ربما في "الديمقراطية" الشعبية المحيطة المُتبّقية، لكنها حتماً، ليست "صالحةً للإستعمال" في جمهوريةٍ ديمقراطيةٍ ميثاقيةٍ، كلبنان.
عندما لا تجد من تُقاتله، تصارع نفسها. عقلية "أنا او لا أحد" استثمرت "طواحين الهواء" لـ 99 سنة. "راجح الكذبة" هو بدوره شخصيةٌ رئيسية في هذا المسلسل الذي لا ينتهي!
في المواسم الإنتخابية، يُستبدل إسم "راجح الكذبة " بإسم "وليد جنبلاط"، امّا في الأيام العادية فجنبلاط هو "حاجةٌ وطنية" لإقصاء سعد الحريري، والإتيان بحكومة اللون الواحد.
بصرف النظر عن بعض المواقف السياسية، او "العواطف الجيّاشة"، فإن وليد جنبلاط لا يزال حتى هذه اللحظة جزءاً لا يتجزأ من حكومة "8 آذار". منذ ايامٍ قليلة جددّ جنبلاط الثقة بهذه الحكومة، ولو اتخذّ موقفاً مغايراً، لكان وزراء عون في خبر كان!!
جنبلاط إذاً هو الحليف العملي لعون حتى إشعارٍ آخر… امّا عون فهو الحليف الأبدي لـ "الكرسي" حتى "العالم الآخر"!
عقلية "أنا او لا أحد"، تقتات على الضحايا السياسيين. استهداف جنبلاط مُربح "مسيحياً"، وهكذا بسحر ساحر، تنقلب الأدوار في حروب عون الدعائية، فيتحوّل جنبلاط من دعامةٍ أساسية لحكومة "8 آذار"، الى حليفٍ ثابت لـ "14 آذار"!!
يستفيد الجنرال من تحالفه الفعلي مع جنبلاط، سياسياً وحكومياً وخدماتياً، ويُريد ان يستفيد كذلك، من خصومته الوهمية مع جنبلاط، انتخابياً وشعبياً، و"مسيحياً".
وضعية ميشال عون الشعبية في اقضية جبل لبنان، يُرثى لها، يريد بالقوة تحويل جنبلاط الى جزءٍ من المشكلة، لكي يكون "شتم" جنبلاط، هو جزءٌ من الحلّ الإنتخابي والشعبي.
من يدعّي إحترام موقع بكركي، لا يضرب مصالحة الجبل التاريخية بعرض الحائط. البطريركية المارونية قالت كلمتها في مأساة "حرب الجبل"، وطوت الصفحة الى غير رجعة، امّا صفحة عون الإنتخابية فتفترض إبقاء كل الجراح نازفة، وكل الأزمات مستعرة.
عندما تقاتل الحزب التقدمي الإشتراكي و"القوات اللبنانية"، وسقط لهما الشهداء بإسم الدروز والمسيحيين في الجبل، كان ميشال عون "ينأى بنفسه"، بإسم "تجّار الهيكل" الذين استفادوا من هذه المأساة الوطنية، لإقتناص الكراسي والمناصب!
في شباط 1984 انتهت حرب الجبل عملياً، بعدها بفترةٍ وجيزة، اُزيح العماد ابراهيم طنوّس، وجيء بالعماد ميشال عون توافقياً. تعيين ميشال عون "توافقياً" يُفسّر موقفه اللامبالي من مأساة الجبل، ومصير الوجود المسيحي فيه.
لو لم يوافق جنبلاط على هذا التعيين، لكان عون في خبر كان!
العماد "التوافقي" ميشال عون باتت مصالحه السياسية تقتضي اليوم إنتقاد "التوافقية"، و"الإنحياز" الى قضية مسيحيي الجبل… ولكن، بتأخيرٍ لم يدم سوى ثلاثة عقودٍ لا غير!!
في المواسم الإنتخابية العونية، يُستبدل إسم "راجح الكذبة" بإسم "أجراس الكنائس". العماد "العلماني التوافقي" ميشال عون يزجّ بقضية دينية بحتة في أزماته السياسية الإنتخابية.
عندما نتحدّث عن "أجراس كنائسٍ" مسروقة حتى اليوم، فذلك يعني ان القضية تتعلّق بممتلكاتٍ بطريركية ورهبانية، وليس بممتلكات تيّارٍ سياسي.
امّا إذا كان هناك من "أجراسٍ" مسروقة، فالفاتيكان، والبطريركيات والرهبانيات المسيحية، احرص على ممتلكاتها، وأدرى بطريقة تحصيل حقوقها قانوناً، اكثر من ايٍّ كان. من قال إن الكنيسة عاجزةٌ عن استرجاع ممتلكاتها "المُعتدى عليها"، حتى توكل الى من اعتدى على البطريرك بذاته، امر استرجاعها؟
قبل "استرجاع" الجماد "المسلوب"، فليسترجع الجنرال، الأحياء من جنوده "المسلوبين" والمخفيين قسراً في سجون الأسد!!
ان يُحجم اصحاب الحق الشرعي عن إثارة هذا الموضوع مع الدولة اللبنانية بالطرق القانونية، فذلك يعني ان هدف ميشال عون، هو التحريض ونكء الجراح، وليس استرداد "أجراسٍ وهمية" لم يُطالب بها اصحابها الشرعيون اصلاً… اللهم إلاّ إذا كان الجنرال يُشكك بـ "مسيحية" وشرعية المؤسسات الكنسية، او بحرصها على استعادة ممتلكاتها؟؟!!
عندما كان وليد جنبلاط ضيفاً، قبل اشهرٍ قليلة، على مائدة بشّار الأسد في سوريا، كانت "أجراس الكنائس" بعديدها الكامل، مُعلقّة بـ "أمان وسلامٍ وتعايش" على قبب الكنائس في الجبل!
وعندما ساءت علاقة جنبلاط بالأسد، انتُزعت هذه الأجراس فجأة من أماكنها، ووُضّبت في أقبية قصر المختارة!! وهكذا، فإذا تحسّنت علاقة جنبلاط بالأسد مستقبلاً، يُفرج عن الأجراس تلقائياً من جديد، وتُعلّق في أماكنها الأصلية بـ "امان وسلامٍ وتعايش"…وهكذا دواليك!!
في تاريخ الدولة الفاطمية، كان يُحكم على الكاذب او الغشّاش، بأن يركب حماراً بالمقلوب، ويُعلّق على الحمار جرسٌ، ثم يقوم بالتجوال في ارجاء المدينة. ومن هنا جاءت عبارة "تجريص"، او "جرسة ع (…) بغل".
امّا في تاريخنا اللبناني المعاصر، فاستحالت القصّة بـ "المقلوب"، بحيث صار الكاذب والغشّاش يُعلّق على عنقه "أجراساً"، ثم يقوم بالتجوال فيها عبر أثير وسائل إعلام، بغية "تجريص" الباقين… ومن هنا ايضاً، استوحينا العنوان لمقالتنا!!