يحتاج 7 أيار وآثامه المستمرة، الى بحر من الحجج لتبريرهما. ومع ذلك، فإن البحر لا يكفي لشيء، طالما ان الدم أثقل من الماء، وطالما ان المرتكب لا يقرّ بما ارتكب، بل يستمر في المكابرة والمناتعة والإمعان في تحريف الوقائع وتشويه الحقائق وقلب عاليها سافلها.
وذلك التاريخ المشؤوم لا يزال يظلل مناخات سياسية ووطنية عامة. وتُبنى عليه ممارسات تحاكيه في صلفها وتجبرّها. ويُوظَّف في كل حين ضمن سياق التحريف المعتمد من قبل أهل الممانعة، في شأنه وفي شؤون كبيرة وخطيرة أخرى.
حكى الممانعون كثيراً عن 5 أيار، وغيّبوا ما قبل 5 أيار.. وفي مقدم ذلك قصّة كاميرا المراقبة على مدرج "مطار رفيق الحريري الدولي" والأهداف المبتغاة من وضعها هناك في عزّ حملة الاغتيالات والتفجيرات.. ثم أمعنوا في نفخ قرارَي مجلس الوزراء عن شبكة الاتصالات إلى حد تركيب نظرية لا تليق إلاّ بجيش الرايخ الثالث لتنفيذها.. وصولاً الى الاستنتاج الافترائي القائل ان قوى 14 آذار انخرطت آنذاك في خطة تآمرية غربية ـ مصرية ـ صهيونية لضرب المقاومة..الخ!
لكن بالأمس تحديداً، نشرت احدى كبريات صحف الممانعة وليس سواها، مقتطفات من برقيات نشرها موقع "ويكيليكس" عن وقائع ما جرى في 7 أيار والأيام التي تلته قبل الذهاب الى مؤتمر الدوحة.. وفي تلك الوقائع ما يسفّه كل نظرية التآمر على المقاومة وسلاحها، ويطحن بالأرض كل ذرائع الممانعين، ويضعها في الختام حيث يجب أن تكون تماماً: افتراء صافٍ لا يقل خطورة عن الجريمة التي ارتُكبت.
تُبيّن تلك الوقائع ان قوى 14 آذار أولاً لم تكن مسلّحة. وانها منذ لحظة بدء الهجوم عليها وعلى أهلها في بيروت والجبل عملت بجهد لمحاولة حضّ الأميركيين، الشركاء المفترضين في المؤامرة! على اتخاذ موقف سياسي يمنع إيران وسوريا من إحكام سيطرتهما على لبنان وقراره السياسي.. مجرد موقف يدعّم بالتلويح، مجرد التلويح، باستخدام بعض أدوات القوة، وليس استخدامها! ومع ذلك، لم يحصل شيء! بل الأنكى ان أحد أقطاب الفريق الاستقلالي وجد نفسه في جدال مع السفيرة الأميركية حول قصّة القرارين الخاصين بشبكة الاتصالات!
ليست المرة الأولى التي تكشف فيها الوقائع والحقائق حجم التركيبات والتوليفات والافتراءات التي ألحقها الممانعون بقوى 14 آذار.. لكن آن لهؤلاء، في مكان ما، أن يكفّوا عن تغطية أخطائهم بما هو أكبر منها. وخطاياهم، بما هو أشمل منها. وآن لهم قبل ذلك، أن يتواضعوا في حكيهم ومشاريعهم، وأن ينتبهوا أخيراً، الى أن البوصلة التي يحملونها في مسيرتهم، يشوبها خلل خطير وكبير ومركزي ومدمّر: ضيّعت وجهة العدو في جنوب الجنوب واستبدلته بأهل بيروت والجبل! تماماً مثلما يحصل عند نظامهم الحليف في دمشق. ينسى أرضه المحتلة في الجولان ويستبدلها بكل ركن ومدينة وبلدة في طول سوريا وعرضها.