يطلّ كل خميس على أمل أن يحمل من جديد يلوّن مقالتي الأسبوعية، فإذا بي أجد أفكاري عالقة بسلبيات الدهاليز السياسية، غارقة بالتشاؤم من وضع يستمر بالتردي منسحباً على الأمن الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي بشكل عام، حيث أسوأ انفلات، وأدنى مستويات العيش الكريم والآمن في تاريخ لبنان الحديث.
ومع تأجيل الاستحقاقات المتلاحقة هرباً من التصادم عند نقطة اللاعودة، يبقى الأداء الحكومي النقطة الأضعف على الساحة المحلية المحكومة بالشلل والعجز، بدءاً من عدم قدرة الفريق الحالي على التفاهم على أكثر القضايا بديهية، أو اتخاذ أبسط القرارات..، فإذا بحكومة اللون الواحد قد ضاعت في عالم الألوان: فلا هي منسجمة كما تحتّم تسميتها، ولا هي متنوّعة لتمثّل فريق ثورة الأرز بكل ما يحمل من ألوان!
فأصيبت بالتعطيل الداخلي الذي منعها حتى اليوم من المضيّ بتعيينات هي أكثر من ضرورية للحفاظ على ما تبقى من صورة وسمعة الدولة ومؤسساتها، بدءاً من المحافظ وصولاً الى السفير وسائر الشواغر الواقعة بينهما.. ولم تنجح حتى الساعة بإيجاد حلول حقيقية لأزمات الوقود والرغيف، في وقت فقدت الدولة هيبتها بعد عدم قدرتها على ضبط الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأولية والغذائية الذي التهم زيادة الأجور، وأضعف قدرة المواطن الشرائية.
وبالرغم من كل هذه الخلافات الواقعة داخل أهل البيت، والملفّات الشائكة والمعطّلة التي حاصرت الحكومة منذ يومها الأول، يبقى الفريق المستولي على مقدرات الدولة يُكابر عبر التمسّك بهذه الخلطة غير المتجانسة، لا بل يصرّ على استمرارها في الشلل الذي تعاني منه حتى إتمامها الانتخابات النيابية.. وكأنها إحدى الأحجيات التعجيزية التي لا حلّ لها.
فعلى أي أساس ستتم هذه الانتخابات ولا زال التوافق على قانون جديد في عِداد المستحيل، والحكومة تتخبّط بانقساماتها وصراعاتها الداخلية، ومعركة شدّ الحبال والضغوطات تتواصل بين شركاء الحكم؟.
حتى الساعة، يبدو استمرار الحكومة على ما هي عليه ضرب من العبثية، تماماً كمن يحاول العثور على الإبرة في كومة القش، والإصرار على الإبقاء عليها هو محاولة للوقوف في وجه تسونامي المتغيّرات السياسية الإقليمية والاقتصادية العالمية، دون أن يتحصّن بأية دروع تردّ عنه قسوة الضربات، أو يتسلّح برؤية تواجه العاصفة بأقل ضرر ممكن.. فالسباحة عكس التيّار نوع من الإنتحار، وبالتالي لبنان، بمؤسساته الرسمية اليوم، لم يُثبت أنه قادر على أكثر من النأي بالنفس تجاه الأزمات الإقليمية، والدخول في دوامة الصراع الكيدي في محاولة لحلّ الأزمات الداخلية، وما أكثرها.
فهل حان الوقت للاعتراف بضرورة تسليم زمام القضايا المعيشية اليومية الملحّة لحكومة تكنوقراط، متحرّرة ولو إلى حدٍّ ما، من أعباء الوصاية السياسية ولعبتها القذرة، التي لم تخدم حتى اليوم سوى المصالح الحزبية والطائفية الضيّقة، فتجري الانتخابات بأقل شحن ممكن لتأخذ اللعبة الديمقراطية مجالها فيحكم الفائز كائناً من كان، أم أن الضوء الأخضر لم يُعط حتى الساعة لحلحلة الداخل اللبناني، وتنفيس الاحتقان الواقع على المسرح السياسي وفي الشارع على حدٍّ سواء؟
على أمل أن يحمل الأسبوع القادم متغيّرات إيجابية لتلوّن هذه الأسطر وتكسر الحلقة المُفرغة التي ندور فيها، يبقى مصير الحلحلة رهينة المزيد من المشاورات والمفاوضات لتحل ازمة الإنفاق الحكومي، والذي أدى تعطيله إلى تعطيل المرافق العامة مع كل ما يتعلّق بها من تفاصيل الحياة اليومية الصعبة بطبيعتها، هذا التعطيل الذي كرّس العجز والشلل سمتين أساسيتين للحكومة الحالية!