هل تراجع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عن «المحبة والشراكة» بعد سلسلة إجتماعات في الداخل واثر ما سمعه في جولاته الخارجية، لذا، عليه الإفصاح عن نظرته الى أمورنا المحلية، لاسيما إنه قارب في بعض تصريحاته لب المشكلة السياسية من غير أن يحدد مآخذه على هذا الجانب أو ذاك، ممن يضع يده على قرار الدولة.
سقى الله أيام البطريرك السابق مار نصرالله بطرس صفير الذي جاهر في عز الأزمة اللبنانية بتسمية الأشياء بأسمائها وبتعقيداتها السياسية والأمنية، وهو فضل أن يبقى منتصباً في موقعه وعلى رأس السدة الدينية – الوطنية، على أن يحني قامته بتواضع إنساني وأخلاقي قلّ نظيره، حيث كان يشدد على أن ما قاله قد قاله «ولا حاجة إلى مزيد من التوضيح»، عملاً بقول الراعي الصالح فليكن كلامكم «نعم، نعم، ولا، لا» ولا حاجة لمزيد من الإدعاء الفارغ المحتوى!
في واحدة من سوابق الجنرال ميشال عون يوم كان في قصر بعبدا محمياً يحكومة عسكرية هشة، فإنه لم يتوان عن التعرض للبطريرك صفير بذريعة إنه كان يماشي القوات اللبنانية، وتحديداً قائدها سمير جعجع، وقد صدر عن «شبيحة المخابرات» آنداك، ما يوحي بأن عون لن يقف عند حد من حدود أخلاقية الوظيفة. كما تخطى الأخير الأعراف التي تحتم عليه إحترام موضع بكركي، ليس خوفاً من همجية السلاح، بل من التصرفات السياسية غير الأخلاقية!
وفي تحذير جديد للبطريرك الماروني الجديد، فقد جاء تركيزه على ضرورة خروج اللبنانيين من دائرة الإتهامات والتخوين والخلافات» فيما لم يأت على ذكر من يتهم ومن يخون ومن يعزز عوامل الخلاف الوطني، بحثاً عن مصالح شخصية وآنية، لاسيما أن الأمور الحساسة التي تجاهلها سيدنا في طلاته الإعلامية والشعبية الأخيرة في جولته في كندا وقبلها في أوستراليا، كان بوسعه تسمية الأشياء بأسمائها، أقله للدلالة على سبب المشكلة التي تعيق نهضة لبنان من كبوته!
إن تركيز البطريرك الراعي على القول إن «لبنان يؤدي رسالة رائدة في الحوار الحقيقي بين الأديان»، لا يكفي لأن يفهم العالم قاطبة إن مشاكلنا نابعة من سوء الحوار، ومن إستخدام البعض لغة اللاحوار لتحقيق مصالح تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا!
وفي كلام البطريرك الماروني على «ضرورة أن يرفع السياسيون أيديهم عن التعيينات الإدارية والقضائية والديبلوماسية» دلالة غير واضحة ولا محددة، بالنسبة الى من يقف وراء التعقيد السائد، وهؤلاء يعرفهم غبطته بالإسم والعنوان، لكنه يتوانى عن التشهير بهم خوفاً من عتب أو عدم رغبته بوضع هؤلاء أمام أمر وطني واقع (…)
في مطلق الأحوال، لن تكون جولة البطريرك الماروني في كندا هي الأخيرة، ولن يكون كلامه المستتبع عن أحوالنا الداخلية هو الأخير، لأنه يعرف أن زمام المبادرة لم يعد في متناول أشخاص الداخل ممن أشار اليهم، بقدر ما هو مدرك ربما انه قاصر عن ترجمة تحديه كي لا يصل الى حد اغتصاب من يرى فيهم قدرة على مواجهته بوسائل تتعدى قدرات بكركي وما تمثله الكنيسة المارونية التي تعاني بدورها من صعوبات مرشحه لأن تزيد في تعميق الشرخ الوطني!
عندما دافع البطريرك عن سلاح حزب الله، ظن البعض انه بصدد تحذير الحزب من مغبة نقل عداوته لإسرائيل إلى الداخل، لكنه لم يفعل ولم يفهم أن كلامه الأول جاء في غير موضعه، طالما أن كثيرين سبقوه في التوصيف وفي التحذير من دون أن يجدوا آذاناً صاغية، على رغم تكرار الحك على جرح السلاح غير الشرعي بلا طائل!
وما لم يعد بوسع البطريرك الراعي العودة اليه، هو تذكير حزب الله بمخاطر سلاحه على الوضع الداخلي، لأنه يعرف تماماً إنه سيتهم في موقفه وفي موقعه وفي نظرته الى القضايا الوطنية العليا، لاسيما إن جهوزية الإتهام قائمة لدى من يعنيهم أمر سوريا وأمر إيران في لبنان، من قبل أن يصبح بطريركياً بسنين طويلة… ومن قبل أن يعرف الى متى سيبقى على قيد الحياة؟!