كتب جورج بكاسيني في صحيفة "المستقبل":
يوم السبت في العاشر من أيار كان يوماً دموياً وسياسياً في آن. الاعتداءات تراجعت في العاصمة لتنتقل إلى طرابلس وحلبا، فيما يُطلق رئيس الحكومة فؤاد السنيورة مبادرة يطرح فيها مخرجاً من المأزق المتصل بالقرارين الحكوميين المتعلقين برئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير وشبكة الاتصالات التابعة لـ"حزب الله".
هذا المخرج افسح في المجال امام قيادة الجيش لتلقف الفرصة، وللمعارضة بأن تذهب إلى منتصف الطريق فتعلن الغاء المظاهر المسلّحة وإبقاء العصيان المدني في انتظار الحل السياسي.
مخرج السنيورة أعلنه في كلمة اعتبر فيها ان "القرارين الصادرين عن الحكومة لم يصدرا بعد، وسيصير وضعهما في عهدة قيادة الجيش". اضاف مخاطباً اللبنانيين: "لن تسقط دولتكم تحت سيطرة الانقلابيين.." متسائلاً عما "يفعل حزب الله في شوارع بيروت وأزقتها"، وهل انتقل موقع المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة إلى ساحة رياض الصلح لكي يتم احتلالها ونصب الخيم في قلبها؟ وماذا يفعل حزب الله على طريق مطار رفيق الحريري الدولي؟ وماذا تفعل ميليشيات حزب الله وحركة امل واعوانهما في أحياء بربور وراس النبع والبسطا والمزرعة ورأس بيروت وغيرها من الأحياء الآمنة؟".
السنيورة رأى أن المشكلة هي "ان حزب الله قرر بمفرده كيف يجب ان يكون مصير لبنان ومستقبله… وأنه هو الذي يحتكر لنفسه حق متى وكيف تكون الحرب ومتى يكون السلم.." وقال "إنّ مَن يقرّر الاستراتيجية الدفاعية للبنان هو الشعب اللبناني عبر مؤسساته المنتخبة من شعبه"، مضيفاً "لقد بات سلاح حزب الله أكثر من أي وقت مضى مسألة تستدعي الحوار"، وأنه بعد رفض الدعوة إلى الحوار من رئيس مجلس النواب نبيه بري "باعتباره طرفاً أساسياً في النزاع.. لم يعد أي منّا حيادياً ورعاية الحوار في حاجة إلى طرف محايد".
قيادة الجيش سارعت إلى تلقّف الفرصة واعلنت في بيان "ابقاء رئيس جهاز أمن المطار العميد الركن وفيق شقير في وظيفته على أن تُتخذ التدابير التقنية المناسبة بعد انتهاء التحقيقات ومعالجة موضوع شبكة الاتصالات من جانب سلاح الاشارة في الجيش بما لا يضرّ بالمصلحة العامة وامن المقاومة"، طالبة من جميع الأطراف "إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل بدء الأحداث الأخيرة.. وتكليف وحدات الجيش المنتشرة مواصلة اتخاذ الاجراءات الميدانية لحفظ الأمن وبسط سلطة الدولة وتوقيف المخالفين".
وفيما أصدر المكتب الإعلامي للنائب سعد الحريري بياناً رحّب فيه "بالبيان الصادر عن قيادة الجيش اللبناني"، معتبراً أنّ هذا القرار يفتح الباب أمام المعالجة المطلوبة، صدر عن المعارضة بيان تجاوب مع إعلان قيادة الجيش موضحاً أنّ "المعارضة الوطنية اللبنانية ستقوم بالغاء جميع المظاهر المسلّحة في مدينة بيروت لتكون العاصمة في عهدة الجيش الوطني". لكن البيان نفسه تضمن في بنده الثاني ان المعارضة "ستواصل العصيان المدني لتحقيق مطالبها المطروحة".
]32 ضابطاً قدّموا استقالاتهم في أربع ساعات
]جعجع يكسر حصار السرايا والحريري ينصحه بعدم الإكمال الى قريطم
بدا أنّ تجاوب المعارضة مشروط، مع مطالبة عضو كتلة الرئيس بري النائب علي حسن خليل في مؤتمر صحافي من عين التينة الرئيس السنيورة بـ"الاستجابة لطلب العودة عن القرار الخاطئ"، واعتبر ان "استشراء سياسة التشاطر ومحاولة الظهور بمظهر المتجاوب مع الضغط الشعبي بوضع القرارات الأخيرة للحكومة في عهدة الجيش هو عملية خداع حقيقية"، مؤكداً استمرار العصيان المدني "حتى تحقيق مطلبنا بالحوار حول نقطتين: حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب".
سبقت هذه المواقف مواجهات عنيفة في مناطق متعددة أبرزها حلبا في الشمال وعاليه وبيروت، أدت إلى سقوط 17 قتيلاً وعشرات الجرحى، وكان القسم الأكبر من الضحايا وهو 13 سقطوا في ساحة حلبا في مواجهة بين أهالي المنطقة ومسلحين من الحزب السوري القومي الاجتماعي". كما دارت اشتباكات في طرابلس بين منطقتي باب التبانة وبعل محسن سقط فيها ثلاثة قتلى بموازاة تحركات مماثلة حصلت في سعدنايل وتعلبايا في البقاع الأوسط. فيما بدأت بالظهور بوادر سخونة في منطقة عاليه، مع اتهام "حزب الله" ما سمّاه "ميليشيات جنبلاط" في عاليه باعدام اثنين من أفراده رمياً بالرصاص وطعناً بالسكاكين، مضيفاً ان عنصراً ثالثاً من الحزب "خطف من هذه الميليشيا ولا يزال مصيره مجهولاً".
هذه التطورات جاءت في أعقاب حالة من البلبلة بدأت بالظهور في صفوف بعض الضباط في الجيش اللبناني الذين هالهم حجم الأحداث مقابل عجز الجيش عن مواجهتها أو التعامل معها. لاحظ بعضهم انه رغم فداحة الاعتداءات على أهل بيروت لم يتم تحريك وحدات الجيش التي أعادت تمركزها خارج نطاق العاصمة، فيما لم تصدر أوامر واضحة لحماية المواطنين. مساعد مدير المخابرات في الجيش اللبناني آنذاك العميد غسان بلعه فاتح قيادته بالأمر مراراً، لكن الجواب كان "سنرى"، فقرّر صباح السبت 10 أيار تقديم استقالته خطياً لمدير المخابرات في الجيش العميد جورج خوري، تعبيراً منه عن الأسى مما وصل إليه الوضع، لأنه في مركز المسؤولية ولا يستطيع ان يكون شاهداً على ما يجري.
قرار بلعه كان شخصياً وليس بناء على قرار سياسي، وتعبيراً منه عن موقف عسكري اتخذه وفقاً للتراتبية المعمول بها في المؤسسة العسكرية. في الثامنة صباحاً قدم استقالته، لكنه تلقى في العاشرة، أي بعد ساعتين، اتصالاً من النائب سعد الحريري يعرب فيه عن صدمته ازاء خطوة الاستقالة. سأله "لماذا؟" فأجاب "لا بد من موقف". فتمنى الحريري على بلعه العودة عن استقالته فوراً متعهداً بمعالجة الموضوع مع قائد الجيش.
عند شيوع خبر الاستقالة، انتقلت العدوى إلى ضباط آخرين، فتوالت الاستقالات التي بلغت حتى الظهر 32 استقالة بينها استقالة قائد منطقة الشمال العسكرية العميد عبد الحميد درويش. لكن قائد الجيش العماد ميشال سليمان استدرك الأمر على الفور واستدعى العميد بلعه، كما وجّه رسائل إلى الضباط الآخرين مؤكداً فيها استعداد الجيش لمعالجة الوضع الميداني اعتباراً من صباح اليوم التالي أي الأحد.. حيث انتشر الجيش بالفعل في العاصمة من خلال خطة أمنية وضعت لهذا الغرض.
هذه التطورات الميدانية والسياسية لم تمنع رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع من كسر الحصار المفروض على بيروت منتقلاً من مقر اقامته في معراب إلى السرايا الحكومية في بيروت تنفيذاً لقرار المجتمعين في معراب قبل يوم واحد، كما يقول النائب انطوان زهرا.
سلك طريق المرفأ التي كانت مزروعة منذ صباح 7 أيار بمجموعات "قواتية" غير مسلّحة إلاّ بالعصي، انتشرت في مداخل الأشرفية ومنطقة الصيفي وصولاً إلى المرفأ لضمان عدم تمدد المعتصمين في ساحة رياض الصلح وإقفال الطريق البحرية.
وصل جعجع إلى السرايا بحراسة ستين شاباً قواتياً، ومعه وفد من اجتماع معراب يضم النواب فؤاد السعد، هنري حلو، انطوان اندراوس، وانطوان السعد. اجتمعوا مع السنيورة بحضور الوزراء محمد الصفدي وجو سركيس وجهاد أزعور وخالد قباني. بعد اللقاء قال جعجع "وجدت الرئيس السنيورة في صحة جيدة ووضع جيد خلافاً لكثير من الشائعات، ومصمّماً أكثر من أي وقت على تحمّل مسؤولياته. وإذا فكروا انه بالارغام واستعمال القوة يستيطعون إخضاعنا فهم مخطئون".
لدى خروجه من السرايا، اتصل بسعد الحريري قائلاً "أنا آتٍ اليك إلى قريطم"، فسارع الحريري متمنياً عليه عدم الحضور "لأن محيط القصر غير آمن".
["الإشتراكي" شوكة "حزب الله"
في صباح اليوم التالي، أي الأحد 11 أيار، وقبيل انعقاد مجلس الجامعة العربية في القاهرة الذي التأم استثنائياً لمعالجة الوضع في لبنان، شنّ "حزب الله" هجمات على مراكز الحزب "التقدمي الاشتراكي" في الشويفات وعاليه. ما إن هدأ الموقف مع انتشار الجيش وتسلّمه معظم مراكز "الاشتراكي" في الشويفات وعاليه حتى شن "حزب الله" هجوماً مباغتاً ليلاً على مناطق في اعالي الشوف، الأمر الذي عكس اتجاهاً واضحاً لدى الحزب لاستكمال حصاره للمناطق الدرزية بعد سيطرته التامة على بيروت.
هذا التطور في الجبل سبقته، حسب النائب أكرم شهيّب، بوادر لاستعدادات عسكرية مع استحضار وحدات تابعة لـ"حزب الله" واستنفار حلفائه في الجبل رغم عدم استعداد "الحزب التقدمي الاشتراكي" لهذا التطور وعدم وجود نوايا لديه.
انطلقت الشرارة الأولى بالتحديد من الشويفات ثم من عاليه وبيصور، فوقعت مواجهات عنيفة في عيتات وبيصور، قبل إن تتّسع رقعة الاشتباكات وسط مخاوف من أن تمتد إلى الشوف وخصوصاً المناطق المحاذية لجزين وتلال الباروك، أو ضهر البيدر وترشيش وطبعاً حاصبيا وراشيا.
حاول النائب وليد جنبلاط تلافي هذا الوضع، فتواصل مع الرئيس نبيه برّي مراراً وقد لعب دوراً أساسياً في محاولة لجم العنف. ظنّ "حزب الله" بداية انه يستطيع السيطرة على المناطق التي استهدفها، قبل ان يكتشف ان هذا الأمر مستحيل. ذلك ان مناصري الحزب الاشتراكي وأهالي المنطقة رفضوا اجتياحها من قبل "حزب الله" فحموا عيتات بصورة أساسية لمنع "حزب الله" و"القوميين" من فصل القماطية عن شملان. لذلك استبسل اهالي تلك المناطق في الشويفات ثم في تلة "البرنس" في عاليه من جهة، وعلى تلال بيصور من جهة ثانية كما في عيتات وعين عنوب ودير قوبل. فدارت في ليل 11 12 أيار اشتباكات عنيفة في تلك المناطق قبل أن يدخل الجيش اللبناني ويفصل بين الطرفين.
في غضون ذلك ظهرت محاولة سياسية من جانب فريق الثامن من آذار مفادها الرغبة في أن يتولى النائب طلال ارسلان دوراً سياسياً في هذا الخصوص. جنبلاط لم يمانع مبدياً استعداده للتفاوض مع ارسلان تحت عنوان تحييد الجبل، فطلب ارسلان تفويضاً بذلك مساء السبت، كما يقول الوزير غازي العريضي الذي كان مقيماً في دارة جنبلاط في كليمنصو. فحضر ظهر الأحد إلى كليمنصو النائب السابق مروان أبو فاضل موفداً من ارسلان للحصول على التفويض. لكن بعد خروجه من دارة جنبلاط اندلعت احداث الجبل، رغم أنّ اتصالات سبقتها أجراها العريضي بمسؤولي "حزب الله" في كيفون والقماطية حيث ابلغهم مراراً ان كيفون وبيصور "ضيعة واحدة"، قبل ان يفاجأ بتقرير في نشرة أخبار محطة "المنار" يركز على منزله في بيصور مدّعياً أنه عبارة عن "مخزن للسلاح".
أعقب هذا التقرير إطلاق عشرات الصواريخ على منزل العريضي حيث كان أفراد عائلته هناك ونجوا بأعجوبة. اتصل العريضي بـ"المنار" قائلاً "يحق لمواطن لبناني مثلي أن يوضح مسألة وردت في النشرة؟" فمُنع من التوضيح.
[كرامة الدروز
بعد شيوع الخبر اتصل مراسلون من محطتي "المؤسسة اللبنانية للارسال" (LBC) و"الجديد" بالعريضي لاستيضاح الأمر، فقال يريدون منزلي فليأخذوه وهو كان بيتاً للمقاومة، هم يطلقون النار على أنفسهم وإذا كان هناك من سلاح في منزلي فالسيد حسن (نصرالله) يعرف أي سلاح موجود هناك، وقد أهداني مسدساً يحمل صورته. كما أنّ في بيتي صوراً أعتزّ بها لابني عمر مع مقاومين في الجنوب، فضلاً عن كتب ضد إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية".
هذه الصورة أحرجت "حزب الله" وحلفاءه بعد أن استشاط الجو الدرزي غضباً، مع شعور الغالبية الدرزية ان المطلوب كسرها أو تهجيرها مجدداً لا سيما بعد قتل مشايخ دروز في الشويفات، وعقد اجتماع استثنائي ضمّ نحو 2000 شخصية دينية درزية في خلوات القطالب في بعذران الشوف استنكرت بشدة التعديات على الجبل. انتفض اهل الجبل لكرامتهم، فساد انطباع كما لو ان ما جرى في الجبل هو ترجمة متأخرة لتهديد الرئيس بشار الاسد بـ"تهبيط الجبل على رأس وليد جنبلاط" كما قال للرئيس رفيق الحريري قبل استشهاده.
الموحّدون الدروز كما يشاع عنهم يصفون انفسهم بأنهم مثل "طبق النحاس وين ما بتضربو بيرّن.." فصارت المسألة بالنسبة اليهم مسألة وجود وكرامة، كما يؤكد أكثر من نائب في كتلة جنبلاط.
هذا الواقع أقلق اثنين: "حزب الله" الذي شعر بأنه أدخل نفسه في نفق قد لا يستطيع الخروج منه بسهولة، والعرب الذين تخوفوا من ان تقود المعارك في الجبل إلى إمكان فتح الباب أمام عودة الحرب الأهلية إلى لبنان. فسارعوا في اجتماع مجلس الجامعة على مستوى مجلس وزراء الخارجية إلى تكليف لجنة وزارية للحضور إلى بيروت لاحتواء الموقف المتفجر، برئاسة رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني والامين العام للجامعة العربية عمرو موسى وعضوية وزراء خارجية الامارات العربية المتحدة والمغرب وسلطنة عُمان والأردن.
أصدر مجلس الجامعة بياناً من تسع نقاط أكد "رفض الدول العربية ما آلت إليه التطورات في الأيام الأخيرة في لبنان وبشكل خاص استعمال السلاح واللجوء إلى العنف المسلّح لتحقيق أهداف سياسية خارج اطار الشرعية الدستورية، والترحيب بتعامل قيادة الجيش مع القرارين الخاصين بجهاز أمن المطار وشبكة الاتصالات السلكية والاشادة بدور الجيش". كما اكد مجلس الجامعة على "ضرورة فتح طريق مطار بيروت الدولي بشكل فوري وسائر الطرق، وتأكيد المبادرة العربية بكل عناصرها باعتبارها اساساً لأي حل". ودعا رئيسي مجلس النواب والحكومة وقادة الموالاة والمعارضة إلى حضور جلسة خاصة مع اللجنة الوزارية العربية لمناقشة الوضع والاتفاق على التنفيذ العاجل للمبادرة العربية والاحاطة بالوضع الخطير الذي يهدد به استمرار التطورات الجارية".
القرار العربي الذي بدا أكثر حزماً من المواقف الدولية التي اقتصرت على الشجب الإعلامي فقط، تُرجم على الفور بايفاد اللجنة إلى بيروت في 14 أيار اثر فتح المطار. التقت بداية قيادات المعارضة وفي مقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله. ثم حضرت إلى قريطم حيث التقت رئيس كتلة "المستقبل" سعد الحريري. حملت اقتراحاً بالعودة إلى ما قبل 7 أيار والدعوة إلى انتخاب رئيس للجمهورية وبدء التفاوض على تشكيل حكومة واعداد قانون انتخاب جديدين. أما موضوع السلاح فقد أبلغت اللجنة العربية قيادات 14 آذار أنها وضعت نصاً محدداً لهذا الغرض وهو "ليس قابلاً للتفاوض لا معكم ولا مع الفريق الآخر".
["ديبلوماسية الغرف"
لكن هذه النقاط كانت تحتاج إلى تفاوض بين فريقي 14 و8 آذار كما طلب رئيس اللجنة العربية. إلاّ أنّ الحريري رفض فكرة التفاوض المباشر "لئلا يُعطى فريق المعارضة صك براءة" بعدما ارتكب ما ارتكبه في بيروت والجبل. فقر الرأي كما يقول النائب السابق غطاس خوري على ان يتم التفاوض بطريقة غير مباشرة في فندق "الفينيسيا" حيث ينزل الوفد العربي، أي أن تجتمع اللجنة العربية مع كل فريق على حدة فتنقل الصورة إلى الفريق الآخر وهكذا دواليك.
الحريري كلف مستشاريه خوري وهاني حمود بالتفاوض، بينما كلفت المعارضة بذلك النائب علي حسن خليل، والمعاون السياسي للأمين العام لـ"حزب الله" حسين الخليل. جلس كل فريق في جناح، فصار رئيس الوزراء القطري يتنقل بين الجناحين. كان التفاوض شاقاً حول معظم البنود التي كانت في جعبة الشيخ حمد بن جاسم. فوفد المعارضة رفض ورود عبارة "الهجوم المسلّح على بيروت" في البيان الختامي، بينما أصرّ خوري وحمود بتعليمات من الحريري على "تعهّد" الفريق المعارض بالامتناع عن استخدام السلاح لتغيير المعادلات السياسية. كما أصرّ الأخيران على إدراج هذا الاتفاق "ضمن إطار اتفاق الطائف"، في سياق استراتيجية تم التمسك بها أيضاً في مؤتمر الدوحة أساسها أن اتفاق الدوحة لا يحلّ مكان اتفاق الطائف.
بعد مفاوضات طويلة تمنى رئيس الوزراء القطري على ممثلي الحريري ان يوافقا على دخول النائب علي حسن خليل، بناء لطلب الأخير، إلى جناحهما للتفاوض مباشرة منعاَ لتضييع الوقت الذي شارف على الاقتراب من الصباح، بسبب اضطراره إلى الذهاب والاياب بين شطري الفندق كلما احتاج الأمر إلى تعديل أو تعديل مضاد.
وافق خوري وحمود على الاقتراح بعد مراجعة الحريري وموافقته، فدخل حسن خليل إلى جناحهما وعولجت الاشكالات بسرعة، فتمّ التوافق عملياً على الفقرة المتعلقة بتولّي الجيش اللبناني أمن طريق المطار بناء على إصرار ممثلي الحريري لضمان الوصول بأمان الى المطار للتوجّه الى الدوحة. كما تم التوافق على حكومة الوحدة الوطنية وإعداد قانون انتخاب جديد بالإضافة الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بخلاف رغبة العماد ميشال عون، بدليل إثارته لهذا الموضوع من جديد في الدوحة.
[جنبلاط يلوّح مجدداً بالاستقالة
جاء ذلك اثر تراجع الحكومة عن قراريها اللذين اتخذتهما في جلسة 5 أيار، فأعلنت انها وافقت على الغاء القرارين في ضوء ما ورد في بيان قيادة الجيش "حرصاً على سلامة الوطن وأمنه وتسهيلاً لمهمة الوفد الوزاري العربي". مع العلم ان الرئيس السنيورة حاول تأجيل موعد جلسة الغاء القرارين إلى اليوم التالي بناء على تفاهم ضمني بينه وبين رئيس الوزراء القطري بانتظار الحصول على ضمانات من فريق المعارضة بان الغاء القرارين سيترافق مع الغاء كل مظاهر العصيان المدني بما يشمل فتح الطرق والمطار ومرفأ بيروت .الا ان جنبلاط الذي تفاقم توجسّه من تطور الأوضاع، أصرّ على السنيورة لإلغاء القرارين في تلك الليلة نفسها ملوّحاً باستقالة وزرائه من الحكومة في حال التأخير.
اتفاق "الفينيسيا" الذي شكل مسودة اولى لاتفاق الدوحة أعلنته اللجنة العربية مساء 15 أيار بعد اتصالات قام بها الحريري مع حلفائه في 14 آذار اطلعهم خلالها على كافة بنود الاتفاق، الذي تضمن دعوة إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الأحداث الأخيرة والانهاء الفوري للمظاهر المسلّحة والسحب الكامل للمسلحين في الشوارع واعادة فتح الطرق والمطار والمرفأ وتولي الجيش مسؤولية الحفاظ على الأمن.
اما على الصعيد السياسي فتضمن الاتفاق الموافقة على معاودة الحوار الوطني وفق جدول اعمال يتناول حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب الجديد على ان يتوج الاتفاق بانهاء الاعتصام في وسط بيروت عشية انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. كما تقرّر بدء الحوار في الدوحة في اليوم التالي، أي في 16 أيار، على أن يستمر في شكل متواصل ومكثّف حتى التوصل إلى الاتفاق. كما تضمن بنداً يتعهّد فيه الأطراف "الامتناع عن استخدام السلاح والعنف أو العودة اليها بهدف تحقيق مكاسب سياسية وإطلاق الحوار حول تعزيز سلطة الدولة على كل أراضيها وعلاقتها مع مختلف التنظيمات.. على أن يُطلَق هذا الحوار ويُستكمل برئاسة رئيس الجمهورية فور انتخابه وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبمشاركة الجامعة العربية".
الحلقات السابقة:
7 أيار يوم سقطت المقاومة في سلاحها (3)…ليلة "القبض" على الجريدة: يا "مستقبل" سلِّمْ تسلَمْ
يوم سقطت المقاومة في سلاحها (2)…الحريري: لن أخرج من بيروت إلا شهيداً.. شهيداً.. شهيداً
7 أيار… يوم سقطت المقاومة في سلاحها: قرار "الغزو" كان جاهزاً… بانتظار "القرارين"