#adsense

“الجمهورية”: لإبقاء على قانون 1960 يتقدم على احتمال تعديله

حجم الخط

كتب الدكتور أنطوان أ. سعد في صحيفة "الجمهورية":

قبيل وضع أولّ قانون انتخابي مكتوب في بريطانيا في العام 1832 كتب Cormenin عن أهميّة هذا القانون قائلاً: "هناك في قانون الانتخاب كلّ الحكومة، كلّ الدولة، كلّ الميثاق (الدستور)، بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك بالقول إنّه ليس في البلاد قانون سياسيّ سواه أو إنّه يحتوي كلّ القوانين السياسيّة لأنّه القانون القالب Loi matrice، فالميثاق (الدستور) هو المجتمع الساكن، وقانون الانتخاب هو المجتمع المتحرّك، قل لي من هم ناخبوكم أقل لك من هي حكومتكم"Cormenin 1830 (Cité par G. Lavau, Partis politiques et réalités sociales, Paris 1953, p.15)

ويوم يدرك الجميع أهميّة قانون الانتخاب في الحياة السياسيّة الذي يشكّل همزة الوصل بين الشعب والدستور، فكما ينقل الدستور صورة المجتمع في إطار يقرّه المشرّع الدستوري، هكذا يقرّ البرلمان قانون انتخاب يتلاءم مع الدستور ضمن آلية احترام أفضل معايير الديمقراطية والمساواة، واحترام حرية الرأي في ظلّ قانون عصريّ للأحزاب وتعدّدية إعلاميّة تراعي الموضوعية … عندها يمكن القول إنّ النظام الدستوريّ والسياسيّ في لبنان بخير.

أمّا وفي ظل الواقع السياسي المتأزّم أبداً، يبدو الأداء الحزبي على حاله إذ إنّ قلّة من الأحزاب وضعت خطة منهجية مستقبليّة تعمل على تطبيقها، أمّا الأحزاب المتبقيّة فتعمل على قاعدة التعاطي مع الأحداث من خلال ردّة الفعل ليس إلا، فما يطرح من نقاش سياسيّ على الساحة السياسية تقوم بالردّ عليه سلباً أو إيجاباً وفقاً لمصالحها، فلا تحاول أن تطرح حلولاً لمعالجة أزمة الحكم المستمرّة أو لتطوير النظام الديمقراطي في لبنان وإزالة الشوائب التي اعترت تطبيق اتفاق الطائف، لا سيّما في زمن الوصاية السورية، فبعد زوال هذه الوصاية منذ سبع سنوات لا نزال نرى هذه الأحزاب تتخبّط في مواكبة الأحداث اليومية الصغيرة منها والكبيرة، بدلاً من المباشرة فوراً ومنذ عودتها إلى ممارسة نشاطها السياسي إلى العمل الجادّ لتصويب الحياة الديمقراطية.

وكانت، من أهم الشوائب التي اعترت تطبيق اتفاق الطائف، قوانين الانتخاب المتعاقبة التي اعتدت على مجموعة أساسية يتكوّن منها لبنان وجعلتها غير مؤثرة في الحياة السياسية طوال فترة الوصاية. ولا يزال هذا الخلل قائماً حتّى تاريخه إضافة إلى استمرار تجنّب معالجته من قِبل هذه الأحزاب التي تخشى ربّما على تموضعها أو أنّها تخشى خوض تجربة غير محمودة النتائج.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، شكّلت عودة الجنرال عون من المنفى في العام 2005 وتوليه عمليّاً قيادة تياره، أملاً في المساهمة بإزالة هذه الشوائب، لكنّ شيئاً من هذا القبيل لم يحصل، بل اكتفى تياره بالإعلان قبيل عودة فريقه من الدوحة أنّنا "رجّعنا الشراكة".

وقد امتلأت الطرق العامة بهذا الإعلان فيما نتائج تطبيق القانون الحالي تؤكّد

المثالثة لا المناصفة، فتكون مسألة استعادة الشراكة المشار إليها ليست سوى شعارات تضليلية، وما تأييد التيار للنسبية حالياً سوى تأكيد على المثالثة على حساب المناصفة!!!

أما سائر الأحزاب المسيحيّة التي مرّ على إعادة ممارسة دورها السياسي ما يقارب السبع سنوات، فهي حتّى تاريخه، لم تتقدّم بأيّ اقتراحات قوانين انتخابيّة بصورة رسمية وعلنية، ما يُظهر عجزها في هذا الصدد أو تأخّرها عن القيام بالدور الملقى على عاتقها، وفي هذا الأمر مسؤوليّة تاريخيّة.

وحده حزب الكتلة الوطنية تقدّم باقتراح قانون انتخاب اعتمد فيه تقسيم الدوائر على أساس الدائرة الفردية كدوائر انتخابية، فهذا القانون وعلى رغم الانتقادات الموجّهة إليه (إذ إنّ احتمال فوز المرشّح بأصوات تقلّ عن تلك التي قد يفوز بها رئيس بلدية احتمال كبير، إضافة إلى تعزيز الشخصانيّة في العمل السياسي بدلاً من تعزيز الحياة الحزبية إلى جانب انتقادات أخرى لسنا في صدد تعدادها كلّها). لكن ما من شك أنّ هذا المشروع يحقّق المناصفة، وقد نادى به بالأمس القريب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي.

كل ذلك والأحـزاب المؤمنـة بالعيش المشترك، وبأهـم ما أنجـزه الطائـف "المناصفة" ليست كثيرة، فتيار المستقبل وحده أعلن جهاراً إيمانه الثابت بالمناصفة، لكنّ أمثاله قلّة والدليل على ذلك الطروحات الأخيرة التي سمعناها عن اقتراح اعتماد لبنان دائرة انتخابيّة واحدة على أساس النسبية، وفي هذا الطرح انقضاض على المناصفة وتغليب للمثالثة.

أما التوقيت الذي يجري الحديث فيه عن ضرورة إقرار قانون انتخاب بحجّة أنّ الكل مُجمع على سلبيات القانون الحالي، فهو ليس سوى دليل على أنّ أيّ قانون ممكن أن يقرّ في هذه الفترة لن يكون حلاً، لأنّ هذا القانون يحتاج بطبيعته إلى توافق مقبول حوله، وإلى إجماع حول المبادئ التي يجب أن يُبنى عليها، وهذا الإجماع مفقود إذ تأتي الطروحات المناقضة للطائف مبنيّة على أساس فائض السلاح وفائض الديمغرافيا، فيما الفريق الذي يؤمن بالمناصفة لا يملك غيضاً من هذا الفائض .

هذا وكان الأمل الملقى على عاتق بكركي لتأدية دور في هذا المجال قد تلاشى بعدما توقّفت اجتماعات اللجنة المنبثقة عن لقاء النواب الموارنة التي قامت بجولات تشاورية مع معظم الأطراف السياسية، فانتهت إلى القول بعدم وجود أي تأييد يذكر حول طرح اللقاء الأرثوذكسي الذي وضعه النوّاب الموارنة وبكركي قيد المناقشة، وقد أعلن سيد الصرح مؤخّراً أنّه مع أيّ قانون يحظى بإجماع اللبنانيين وهذا أمر جيّد، لكنّ الإجماع الذي قد يبنى على أساس غير المناصفة يعيدنا إلى الوراء. وقد تبنّت بكركي علناً في عهد البطريرك صفير تصغير الدوائر إلى أقلّ قدر ممكن بما يحقّق المناصفة على رغم التضليل الذي يتعمّده البعض حول قبولها قانون 1960، إذ إنّ قبولها في حينها جاء مشروطاً بوجوب تصغير الدوائر دونما تمايز فاضح بينها كما هو الحال مثلاً في دائرة (صيدا) المؤلفـة من مقعدين، وأخرى من عشرة (بعلبك الهرمل)، بل يجب أن يكون هذا القانون مبنياً على أساس التوازن بين الدوائر، بحيث يتراوح عدد المقاعد فيها بين إثنين وثلاثة وأربعة كحدّ أقصى.

أمام هذا الواقع، تخلو جعبة الأحزاب بمعظمها من اقتراحات قوانين انتخابيّة تزيل الشوائب وتحقّق المناصفة وتطبّق الدستور، ولأنّها أيضاً تخشى خوض تجربة جديدة، إذ ربما تفضّل البقاء على قانون انتخـاب تعايشت معه على رغم مساوئه، ولأن البعض الآخر لا يرغب فعلاً في التنازل عن مكتسبات حقّقها في زمن الوصاية بما يتعارض مع الدستور، وهو يتحيّن الفرص للانقضاض عليه ضارباً عرض الحائط العيش المشترك والمناصفة والرسالة التي نشأ من أجلها لبنان.

كلّ ذلك يجعلنا نعتقد أنّ فرص إقرار قانون انتخابيّ جديد باتت مستبعدة، بل ربّما نشهد تجميلاً محدوداً لبعض الدوائر المحدّدة بموجب قانون 1960. وفي الحالتين يظهر جلياً عقم الأداء السياسيّ الذي تتخبّط به الأحزاب في لبنان في ظل التجاذب المحليّ والإقليميّ والدوليّ وسلاح الداخل، ما يمنع استقامة الحياة السياسيّة في لبنان.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل