لأن نجاحها يقاس بارتفاع مؤشرات النمو
الخلافات الحكومية لم تحقق سوى الفشل
عندما تشكلت الحكومة الحالية دعا رئيس جمعية مصارف لبنان جوزف طربيه في غداء تكريمي له أقامته الندوة الاقتصادية على شرفه، أهل السياسة الى المحافظة على الانجازات التي حققها القطاع المصرفي اللبناني من خلال وقف الخلافات وعدم هزّ مناخ الثقة باستقرار لبنان ومؤسساته السياسية والادارية، وحض على العودة الى روح التسوية التي هي في اساس تركيبة لبنان الاجتماعية والوطنية. ورأى ان عودة الانتعاش الى الاقتصاد اللبناني رهن باستقرار الاوضاع السياسية. ولفت الى ان البلاد خرجت من أزمة وزارية معقدة انهكت المناخ الاقتصادي وانعكست على توقعات النمو، مشيرا الى ان اخطر ما هو حاصل تصاعد موجة الفراغ الاداري في مؤسسات الدولة نتيجة الشغور والاختلاف على التعيينات الادارية او تأخيرها بحيث شهد الوضع الاقتصادي تراجعاً لافتاً في مؤشراته نتيجة انعكاس الازمة السياسية والحكومية عليه وتأخر الاصلاحات المطلوبة محلياً ودولياً في معالجة الملفات الاستراتيجية الاساسية كملف ازدياد العجز في الموازنة وفي مؤسسة كهرباء لبنان وبت ملف التنقيب عن النفط وغير ذلك من الملفات الشائكة.
لذلك فإن عودة الانتعاش الى الاقتصاد اللبناني رهن باستقرار الاوضاع السياسية والامنية، وبإمساك الحكومة بالملفات الاقتصادية والمالية بحزم واجراء قراءة متأنية لمصالح لبنان، وبقاء الهيئات الاقتصادية مستنفرة لمتابعة قدرة الحكومة على انتشال لبنان بالسرعة المطلوبة من الاوضاع المتراجعة، وسيقاس نجاح الحكومة بمدى عودة مؤشرات النمو الى الارتفاع عن الوتيرة السابقة.
لكن على رغم ان الحكومة تشكلت من لون سياسي واحد ومضى على تشكيلها اكثر من عشرة اشهر، لم تتوصل بعد الى تحقيق حتى الحد الادنى مما كان مأمولاً منها في شتى المجالات في ظل مناخ الاستقرار الامني السائد، لأن تضارب المصالح الذاتية بين اعضائها والخلاف على تقاسم الحصص والمنافع شلاّ عملها، فلم يكن اتفاق على التعيينات حتى الضرورية منها ولا على خطط زيادة الطاقة الكهربائية وبناء السدود المائية ولا حتى على الموازنة بحيث يتم الاتفاق على اطار الارقام المحددة فيها، فلجأت الى ما لجأت اليه الحكومات السابقة في ظروف استثنائية بطلب سلفات للانفاق كانت سببا لخلافات جديدة ليس بين اعضائها فحسب، بل بينها وبين النواب حالت حتى الآن دون الموافقة عليها. وكانت هذه الخلافات ايضاً سبباً لتبادل الاتهامات بين أعلى المراجع وتحميلها مسؤولية عدم حسمها باتخاذ موقف وإن مخالف للدستور، الامر الذي جعل وزراء ونواب "تكتل التغيير والاصلاح" يحمّلون رئيس الجمهورية المسؤولية وهو لا يتحملها في الواقع، إنما تتحملها السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. فلو ان الحكومة وهي تعيش في ظرف سياسي طبيعي وعادي أقرت مشروعي موازنتي عام 2011 وعام 2012 لما كانت مضطرة الى مواجهة الخلافات حول قيمة السلفات التي تطلبها والسعي الى قوننتها.
ويذكر ان مجموعة "سيتي غروب" الاميركية كانت قد استبعدت في آذار 2012 إقرار مشروع الموازنة ليصبح قانوناً نظرا الى الانقسامات السياسية الحادة داخل الحكومة والتي تعرقل فعاليتها. واعتبرت ان النزاع السياسي الحاصل داخل مجلس النواب في شأن الانفاق الاضافي، يرفع عجز الموازنة، وهذا العجز قد يفرض زيادة ضرائب أو استحداث ضرائب جديدة خصوصا على القيمة المضافة (TVA) لتغطية جزء من العجز. كما اعتبرت ان الاوضاع الجيوسياسية الاقليمية تشكل مصدراً لمخاطر عالية بالنسبة الى التوقعات الاقتصادية للبنان، وان الاضطراب المستمر في سوريا قد يؤثر سلباً على حركة الاقتصاد في لبنان وعلى معدلات النمو فيه خصوصا اذا امتدت الاحداث في سوريا اليه واشتد النزاع الاقليمي مع ايران.
الواقع ان لبنان يعيش اقتصادياً على اموال مستعارة وفي وقت مستعار يبقي شبابه المثقف والموهوب موارد غير مستثمرة، وانه من اجل تحقيق الازدهار الاقتصادي يجب ان تسود الشفافية مكان الفساد والمحاباة.
لقد كررت الهيئات الاقتصادية مطالبة الحكومة بإقرار موازنتي 2011 و2012 لأن عدم اقرارهما أخّر العمل في مشاريع اقتصادية واجتماعية حيوية.
واذا كان لا فضل للحكومة في توفير الاستقرار الامني انما الفضل هو لأسباب اخرى، فليكن لها الفضل في تحقيق النهوض الاقتصادي كي يُحكم لها او عليها، فنجاح الحكومة يقاس كما تقول القطاعات الاقتصادية والمصرفية بعودة مؤشرات النمو الى الارتفاع وكسب ثقة الناس، وهذا هو التحدي الأهم أمامها.