الذين شتموا الرئيس السابق جاك شيراك بعد مغادرته الأليزيه ورحبوا بالرئيس الجديد المنتخب ساركوزي، من الدورة السابقة وكالوا له المدائح وعلقوا عليه الآمال وطالبوه بتصحيح "مسار" شيراك "المعادي" للممانعة، وحتى للمقاومة… ها هم ذواتهم، يشتمون ساركوزي بعد سقوطه في الانتخابات…. ويمدون أيديهم "السمحاء" إلى الرئيس الجديد فرانسوا هولاند. ومن يتذكر بعض ملامح المرحلة التي تلت انتخابات ساركوزي، يعرف جيداً كيف حاول هذا الأخير "تعويم" الرئيس بشار الأسد وتقديمه "خلنج" إلى الفرنسيين والأوروبيين في أول لقاء احتفالي للرئيس السوري في الأليزيه. لكن الأحوال تغيرت، واكتشف الرئيس الفرنسي حقائق السياسة السورية، وشعابها وصدقية النظام… وعلاقاته وأطماعه في لبنان. وانتهى شهر "العسل السوري الفرنسي" وتحول ساركوزي "معادياً" و"استعمارياً" و"صهيونياً"… في نظر الممانعين.. وحلفاء إيران وسوريا! واتسعت الفجوة بين الطرفين، خصوصاً عندما قاد "ساركوزي" مهمة مساعدة الشعب الليبي على الانتصار في ثورته، بتدخل عسكري مباشر إلى جانب الثوار، إذاً بات ساركوزي "شيطاناً" بالنسبة إلى هؤلاء خصوصاً عندما ايد بلا تحفظ الانتفاضة الشعبية السورية، ودعا الرئيس بشار الأسد إلى التنحي، وإلى امداد الثوار بالأسلحة، وبفتح الممرات الانسانية الآمنة…
بعد خسارة ساركوزي الانتخابات استنفرت الأصوات التي سبق أن مدحت هذا الأخير عند انتخابه، لشتمه. وها هي الصحف السورية (الديموقراطية التعددية) تهتف "ساركوزي إلى مزبلة التاريخ" رائع! وها هي صحف اخرى "تحلل": الشعب الفرنسي عاقب ساركوزي". أو "وداعاً أيها الساقط يا ساركوزي" أو "دفع ثمن أخطائه المميتة ورحل". كل هذا رائع! وقد نؤيد جزءاً منه. ولكن إذا تابعنا كتابات 8 آذار… واعلامييهم، و"فلاسفتهم" و"مفكريهم" و"مخوخهم" نكتشف كم يعاني بعض هؤلاء من امراض فصامية أو شيزوفرينية… وهي إما "معقولة" (عند المرتزقة) أو غيبية عند "أهل الوحي والايمان" أو غبية… عند أهل الجهالة.. أو مدفوعة أو مملاة عند الذين تكتب لهم "المخابرات" مانشيتات صحفهم، أو مقالاتهم! (مخابرات بمخابرات!) ليست المشكلة في أن يرتاح أي عربي لمعاقبة رئيس أو زعيم على ممارسته من قبل الشعب، أو على فشله في تحقيق "وعوده" أو توريط البلاد في مسائل ليست من مصلحتها… فهذا أمر صحي، خصوصاً بعد الربيع العربي و"معاقبة" عدد من الشعوب العربية طغاتهم، باسقاطهم في ثورات أدركت تونس ومصر واليمن وليبيا… وسوريا!
لكن المشكلة ان الذين يتشفون من فشل ساركوزي، وينعتونه بأقذع النعوت ويحيلونه على "مزبلة التاريخ" هؤلاء، ينحازون، عندنا، إلى الطغاة، ويستنكرون الانتفاضات العربية خصوصاً في سوريا. فهؤلاء الذين "يباركون" الديموقراطية التي اسقطت ساركوزي و"عاقبته"… ويحييون النزاهة التي اتسمت بها الانتخابات ويعترفون بنتائجها ويهنئون الرئيس الجديد… هؤلاء ذواتهم، بالأسماء والألسن والقسمات والبذاءة والتواطؤ يتهمون جماهير الشعب السوري الذي ثار على طغاته… بالإرهابيين والمجرمين والعملاء. وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، فهؤلاء (ما غيرهم!) عندما خسروا الانتخابات النيابية في لبنان وتحولوا أقلية، ادعوا انهم "أكثرية"! وان "الأكثرية" المنتخبة أقلية، هكذا بجرة قلم، او بشطحة "لسان" (أو بأصبع مهزوزة!) وهؤلاء أنفسهم (ما غيرهم) اسقطوا الحكومة التي اختارتها الأكثرية النيابية برئاسة سعد الحريري… بالتهديد وبعراضات "القمصان السود" ولعبوا اللعبة القذرة… وحولوا الأكثرية أقلية… وصادروا بايمانهم وورعهم وارادة "اوليائهم" في دمشق وإيران… أكثرية أكثر اهتزازاً من أصابعهم.. المهزوزة سطوا على الحكومة وها هي الفضائح والصفقات والعمولات والفساد والانقسامات تتتالى، وها هي البلاد على كف عفريت سواء في الاقتصاد أو الأمن أو في السياسة!
ولو عدنا إلى بداية الربيع العربي، عندما اندلعت الثورة في تونس ومن ثم في مصر نتذكر "عشق هؤلاء" للثورتين، لأنهما "تعبير عن عقاب الشعبين التونسي والمصري" للطغاة. وما كان أطرب وأزجل وأعنف من خطاب هؤلاء "التحريضي" آنئذ: "اسقطوا الطغاة" عملاء اميركا.. والغرب.(يقصدون بن علي ومبارك).
"دفع عملاء اميركا.. ثمن انحرافاتهم" … و"انجرارهم ضد الممانعة" و"المقاومة" بل وصل الأمر بالسيد حسن نصرالله (سيد المقاومة) ان وصف الثورة المصرية بثورة الجياع! (من قال له انها ثورة جياع!) بل وراحت وسائل الاعلام المرتبطة بالنظامين السوري والإيراني تدعي "ريادة" هاتين الثورتين وبأنهما امتداد للثورة الإسلامية الإيرانية.. وتحرض على كل الأنظمة التي تختلف معها في المنطقة العربية. جاءت اللحظة التاريخية و"دقت ساعة العمل الثوري" إلى درجة صرح فيها الرئيس بشار الأسد بما معناه أن الثورة لن تتخطى عتبات سوريا.. لأنها ممانعة… عال! لكن ولسوء حظوظ هؤلاء "الاستراتيجيين" و"المتكهنين" و"العرافين" اجتاحت الثورة ليبيا. وصحيح ان النظام الليبي خطف الامام موسى الصدر لكنه لم يكن مدرجاً كمصر وتونس في الخط المعادي للممانعة.. فالمسألة ليست سياسية خارجية، واخطاء ارتكبت فيها ومحاور بل المسألة متصلة بالشعوب المنتفضة المطالبة بالحرية والكرامة. المسألة متصلة بارادة الشعوب. وبكسرها جدران الخوف. وها هو النظام السوري "يمد" يد المساعدة ليس للشعب الليبي كما أيّد الثورتين التونسية والمصرية بل إلى النظام، وخصوصاً امداده بالطيارين الحربيين عندما دخل الطيران الحربي الليبي في المعركة. اما اين صار شعار "نصرة الشعوب" فحدث ولا حرج. والطامة الكبرى بالنسبة إلى هؤلاء، اندلاع ثورة الشعب السوري ضد النظام. هنا، بدأت تختلف الأمور أكثر. هنا "وصل الموسى الى الذقون" هنا يهتز التحالف العربي الإيراني في المنطقة. هنا الحليف الأكبر مهدد. ويعني "هيمنة" ما على لبنان مهددة. إذاً فلندّب الصوت" ثم لا يكفي "دب الصوت" بل المشاركة الميدانية ضد الشعب السوري بالسلاح والمال والعتاد والرجال! والقناصين و"الممانعين" ولمَ لا بالمقاومين. فهؤلاء المقاومون صاروا "غب الطلب"، هؤلاء المقاومون وكما خونوا الثورة الاستقلالية في لبنان ها هم يخونون الشعب السوري في انتفاضته، وهؤلاء "المقاومون" وكما "خونوا" الثورة الخضراء في مربط خيطهم ايران وانحازوا إلى قمع السلطة لها، ها هم، وانسجاماً مع "ايديولوجيتهم" "المحبة" للبشر وللناس وللحرية والسيادة (وكذلك للتحرير!) ها هم وبجوقات متصلة، و"بزلاعيم" معلوفة وبحملات مدفوعة يُشهّرون بالشعب السوري. وبالثوار وصولاً إلى النازحين، فذوو "القلوب" الرحيمة الرقيقة الحساسة يطالبون الدولة بتسليم هؤلاء الأطفال والنساء والعُزل إلى نظام "القلوب الرقيقة" والعدالة ا ليصفيهم؛ وتماماً كما خططوا لخطف المناضل شبلي العيسمي وتسليمه إلى جلاديه. رائع! (ودمه في اعناقهم) فهؤلاء الذين يصنعون الديموقراطية كل يوم بل وكل دقيقة، عبر الانتخابات النزيهة ومبدأ تداول السلطة وهؤلاء الذين يحتفظون بالسلاح لتغيير الأوضاع في لبنان وهؤلاء الذين لم يساندهم سوى أمثالهم من الطغاة (بوتين، الصين، المالكي… إيران) ها هم يهللون لسقوط ساركوزي. وها هم يحتفون بالشعب الفرنسي الذي عاقب رئيسه. بل أكثر: عباقرة الاعلام في 8 آذار (وعتاولة 7 أيار!) باتوا يعتبرون أن ساركوزي هو مرشح 14 آذار وقد سقط. وهولاند هو مرشح 8 آذار المجيد وقد انتصروا به وانتصر بهم. هللويا! هللويا! وكأن هولاند من مؤسسي حزب البعث او من حاشية خامنئي او من مقاتلي حزب الله، ومن الناطقين باسم هؤلاء، بل وبات بعضهم "يتنبأ" (ومنهم من طينة غير بشرية: اسألوا نواف الموسوي!) بأن سقوط ساركوزي هو سقوط لرهان 14 آذار. رائع! صار هولاند في "جيبهم" الصغير، تماماً كما ظنوا ذات يوم ان ساركوزي أيضاً في جيبهم الصغير. ما هذا الغباء الفادح. وما هذه الفصامية المعلنة.هنا يخوّنون الشعوب المنتفضة من أجل الحرية وهناك يعتبرون ان الشعب عاقب رئيسه بالانتخابات الديموقراطية: هنا يهللون للطغاة.. وهناك يهللون للعملية الانتخابية التي عبر فيها الشعب الفرنسي عن رأيه وإرادته وخياراته. هنا مع المجازر والاعدامات والعنف والقتل التي يمارسها حليفهم النظام الاستبدادي وهناك يعتبرون نجاح رئيس بمبدأ تداول السلطة انتصاراًَ لهم. هنا يهتفون ببقاء الرئيس "من الأبد إلى الأبد" وهناك يشمتون بسقوط الرئيس عبر صناديق الاقتراع. هنا يدافعون عن توريث السلطة. وهناك يحتفلون بانتقال السلطة عبر الشعب. هنا يؤيدون "رئيس الـ 99,99 بالمئة وهناك يؤيدون فوز رئيس بفارق 3 بالمئة. (هولاند ساركوزي).
رائع! وتسأل هل ترى نحتاج إلى مستشفى ومصحات عقلية لهؤلاء… ام أطباء نفسيين أو معالجين بالصدمات على مخوخهم.. المجمدة والمجلدة كتلك اللحوم الفاسدة!
فلو كان هولاند سفاحاً وربح، لقلنا "يحق لهؤلاء القوم أن يحتفلوا.. فهذا المنتصر يشبه "معلميهم" وقياداتهم المجرمة… و"كل سفاح للسفاح نسيب!" ولو كان هولاند جاء إلى السلطة بالتوريث لقلنا يحق لهؤلاء القوم أن "يجنّوا" من الفرح، لأن فكرة التوريث التي فرضها حلفاؤهم الطغاة عندنا… صُدرت إلى فرنسا (كما تصدر ايران ثورة الملالي وولاية الفقيه)، رائع! ولو كان هولاند نجح بالتزوير وبنسبة 99،99 لقلنا يحق لهؤلاء ان يغتبطوا.. ففكرة الاجماع القسري انتقلت من تجارب "اولياء" أمورهم عندنا.. إلى الشعب الفرنسي! ولو ان هولاند قام بانقلاب عسكري وخلع ساركوزي "الديموقراطي".. لقلنا يحق لهؤلاء القوم أن يعتزوا: فالانتصار الانقلابي يشبه انتصارات "حلفائهم" و"انتصاراتهم" المجيدة: 7 أيار، واسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بسلاح المقاومة، ولو قام هولاند باغتيال خصومه السياسيين والصحافيين والكتاب وأوصله ذلك إلى الحكم لقلنا يحق لهؤلاء القوم ان يفتخروا… لأن من ينتمون إليهم من "قادة" اغتالوا عشرات الصحافيين والسياسيين والكتاب!
لكن الرئيس الجديد هولاند ليس من طبائع هؤلاء والشعب الفرنسي متمسك بحرياته وبثورته التي شكلت ريادة في التاريخ البشري. أكثر: هل يذكر هؤلاء ان هولاند انتقد ساركوزي لاستقباله "الاحتفالي" للاسد في الأليزيه؟ وهل نسي هؤلاء ان هولاند نفسه طالب الرئيس الأسد بالتنحي. وهل نسي هؤلاء ان هولاند صرح مراراً وفي وسائل اعلام فرنسية وغير فرنسية (الأكسبرس، لونويل اوبسراتور، لوموند) انه يؤيد الربيع العربي وحق الشعوب في تقرير مصيرها وان الربيع العربي هو فاتحة لعصر جديد ليس في الشرق الأوسط وحده بل في العالم؟
لكن ماذا نفعل بهؤلاء الذين يعانون أمراض الشيزوفرانيا "النسيان" واختلاق "الانتصارات الوهمية" (كل يوم يبشرنا حزب الله بانتصار قادم او يذكرنا بتحقيقه انتصاراً سابقاً مجيداً) أوليس غريباً ان يظن بعض هؤلاء ان أكثرية الشعب الفرنسي انتخبت هولاند رئيساً لانها تؤيد انجازات النظام السوري أو ديموقراطية النظام الايراني او "مقاومة" حزب الله (في بيروت، وسائر المناطق) وممانعة حزب الله!
والله، يبدو ان كل هاجس الفرنسيين تمثل بايمانهم العنيق بالطغاة المتساقطين.. وعلى هذا الأساس تهافتوا إلى صناديق الاقتراع ليصوتواعلى بقاء النظام السوري وضد ثورة الشعب.. ونظن ان بعض هؤلاء الممانعين "دخل" إلى "عقولهم" النيرة ان الشعب الفرنسي لو لم يكن مسانداً للطغاة.. لما ذهب للتصويت! ولكن كُرمى للنظام السوري ولنظام ولاية الفقيه واتباعهما في لبنان.. صوّت وقلبه مفعم بالأمل، ليبقى هذان النظامان سائدين "من الأبد إلى الأبد".
فافرحوا أيها القوم، يا قوم 8 آذار فكل الشعوب الديموقراطية وراءكم.. هتافة مصفقة، داعية بطول اعمار "طغاتكم". حتى ابد الآبدين، آمين!
والله انه لفوز مبين حققتموه يا 8 آذار في فرنسا! فلولاكم لما هُزم ساركوزي.. ولولاكم لما اقتنع الشعب الفرنسي بهولاند رئيساً!
فتهانينها! وان "غداً لناظره قريب"!