كتبت باسكال بطرس في صحيفة "الجمهورية":
تراهم كالدّمى المتحركة، تتلاعب بها لوحة مفاتيح في هاتف صغير لا يتجاوز حجمه الكف. وغالباً ما تراهم يعتكفون في زاوية البيت أو المقهى أو حتى مكان العمل، يرسمون بأصابعهم تفاصيل عالمهم الخفيّ… وحدها رنة الهاتف المزعجة قادرة على تحريكهم، حتى لو كانوا في الحمّام أو يقودون سياراتهم! رنّة صغيرة كفيلة بإعلامك أنّ من تراه أمامك، هو من عشاق الهواتف الذكية الـblackberry والـ»i phone» وغيرها، أو من هواة برامج المحادثة مثل الـwhatsApp والـtwitter…
في زمن إزدياد الأعباء الحياتية، وتحديداً أعباء الوالدين وانشغالاتهما، إزدهرت ظواهر اجتماعية خطرة، وانتشرت سلوكيات سلبية، ما كان لها أن تجد طريقاً الى الأسرة في حال انتباه الأبوين. وبما أن التطور التكنولوجي قد سهَّل كثيراً عملية التواصل وقرَّب البعيد، فإنه في المقابل أبعد القريب وحوَّل العلاقات الاجتماعية مجرّد مكالمات و"ميسَّجات" ورنّات ورسائل إلكترونية، خصوصاً في ظل رياح التغيير التي لا شك في أنها طاولت جيل الشباب من الجنسين.
ففي حين تكثر فوائد الأجهزة الخلوية وتأثيراتها المتعددة في الناس والمجتمعات، نظرا إلى القفزات السريعة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات التي جعلت منها حواسيب صغيرة وذات ميزات متعددة، مثل فهرسة الأرقام وتدوين الملاحظات وتسجيل المواعيد واستقبال البريد الإلكتروني وغير ذلك من التطبيقات المعلوماتية الكثيرة، إلاّ أنّ سلبيّات هذه الظاهرة لا تخفى. وأوّلها وأهمّها الإدمان على خدمة المحادثة الخاصة في الهواتف الخلوية، والتي أصبحت اليوم أخطر من الإدمان على التدخين وحتى الكحول! وبات المرء يستسلم لها ولا يملّ من التواصل مع الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بإطلالة سريعة بين الحين والآخر في النهار.
تحاول "الجمهورية" تسليط الضوء على هذه الظاهرة وتداعياتها ووسائل المعالجة وكشف أسباب إقبال الجيل الشاب الكبير على اقتناء أجهزة الـ"بلاك بيري" والـ"أي فون" وغيرها من الأجهزة الحديثة.
خلال جولة استطلاعية، التقت "الجمهورية" بعض مستخدمي الـ"بلاك بيري" والـ"أي فون" وبعض محلات بيعها، لإستكشاف السر الذي يميز هذه الأجهزة التي تُسحر الكبار والصغار.
يؤكد فادي. ت، صاحب محل للهواتف النقالة أن "مبيعات الـ"بلاك بيري" والـ"أي فون" ومستلزماتهما تدر أكثر من 80 في المئة من الربح لمحلات بيع الهواتف"، ويضيف: "لا أدري ما السر الموجود في هذه الأجهزة غير "الشات"، لأن الإنترنت موجود في سائر الأجهزة أيضا، وأعتقد أن المسألة وما فيها هي أنها مجرّد موضة أكثر من أي شي آخر".
وتشير الموظفة رانيا سليمان إلى أن "شريحة واسعة من فتيات اليوم وشبانه ينجرّون وراء المظاهر، وموديل الجوال يعتبر عنصراً أساسياً يشغل تفكيرهم في الحياة اليومية، وهنا تكمن الخطورة لأنهم لا يدركون الدور الحقيقي المطلوب منهم مما يجعلهم يعيشون حياة بعيدة عن قضايا المجتمع ويحصرون أنفسهم في المسائل التافهة والملهيات على نحو مبالغ فيه".
وتقول الطالبة سينتيا سلام إنها "معجبة بهذا الجهاز العجيب"، مشيرة إلى أنها لا تعرف المميزات الكثيرة التي تشتمل عليها هذه الأجهزة، مثل إمكان تعريف أكثر من حساب، إضافة إلى تصفح الإنترنت أثناء التنقل. ويقتصر استعمالها له على الاستمتاع بما يقدمه من عروض ترفيهية والتواصل مع الآخرين عن طريق (بي بي ماسنجر) والدردشة.
وترى الاستاذة الجامعية سميرة الأشقر أنّ "شباب اليوم دائماً ما يأخذ الجانب السلبي من الحضارات والتقنية الحديثة التي نستوردها، مثلما حدث في مواقع الاتصال الاجتماعية كـ"الفيس بوك" و"التويتر"، والمشكلة تكمن في الإدمان على تلك المواقع، التي أصبحت مكاناً خصباً لنشر الإشاعات".
أما الدكتور جورج رياشي الإستشاري الأمراض النفسية، فيلفت الى أن "اهتمامات شباب اليوم بالتكنولوجيا لا يختلف عن إدمان المخدرات، وشباب الـ "بلاك بيري" والـ "أي فون" يدخلون في الدائرة نفسها من "الشات" واستخدام "الماسنجر" للتواصل مع الآخر وتبادل النكات والطرائف ونتائج المباريات والأخبار المختلفة والمتنوعة"، ويلفت إلى أنّ "إدمان الشباب على استخدامه خلق لديهم حالة من العزلة وأفقد الحياة الاجتماعية مذاقها ودفئها".
وفي هذا السياق، أظهرت تقارير صحية تتحدث عما سمّته مرض إبهام الـ"بلاك بيري" والـ "أي فون"، أو الإصابة الشائعة التي تطاول الإبهامين في اليد، بسبب الاستخدام المكثف لهذه الأجهزة الخلوية، وباتت هذه الإصابة شائعة، ومن أبرز عوارضها وجود الحكة والألم في أصابع اليد والمعصم".
ووفق دراسة طبية نقلتها صحيفة "صنداي ستار تايمز"، فإن "كثرة كتابة الرسائل النصية أدت إلى التهاب الأوتار المحيطة بأصبع الإبهام، وتلك القريبة من الرسغ، ما أدى إلى امتلائها بالسوائل"، ورجّحت الدراسة "أن يكون هذا المرض منتشراً أكثر مما هو متوقع بسبب انتشار هذه الأجهزة التي تدعم التواصل الإلكتروني وكثرة كتابة الرسائل النصية وإرسالها بالهاتف المحمول".
وفي المحصّلة، لا يكاد يخلو بيت من هذه الأجهزة "الخطرة"، حتى في المناسبات الاجتماعية والعائلية، وكذلك الأمر في الشركات وأماكن العمل، فضلاً عن الأماكن العامة. أما في الطرق فحدّث ولا حرج… سائقون، ركاب، ومارّة تشدّهم الشاشة الصغيرة بفضول واهتمام مبالغين، يدفعان معظمهم الى حوادث لا تُحمد عقباها.
وفي هذا الاطار، يؤكد كثير من السائقين أن استخدامهم الهاتف النقال أثناء القيادة أدى إلى ارتكابهم مخالفات مرورية متفاوتة، واصطدامهم بمركبات أُخرى وإتلاف أملاكهم وأملاك الغير بسبب انشغالهم بالرد على الهاتف أو كتابة الرسائل.
ويقول سامر سلامة: "أثناء قيادتي سيارتي اصطدمت بسيارة أُجرة توقفت فجأة أمامي، بينما كنت أجيب على صديقتي عبر "الشات" في هاتفي النقال، ما تسبب بأضرار في السيارتين، وقد تكبدت مبلغا يزيد على 1000 دولار بسبب انشغالي بجوّالي وغياب أي تأمين لسيارتي"، لافتا إلى أن "الخطورة الأكبر في استخدام الهاتف النقّال أثناء القيادة هي بكتابة الرسائل، إذ تنشغل اليد والعين في ذلك، وهو ما يشتت تركيز السائق ويتسبب بحوداث مرورية"، ناصحا جميع السائقين بعدم استعمال الهاتف النقّال أثناء القيادة مهما كان السبب.
بينما يؤكد عبد الله راجي التزام قوانين السير، قائلا: "إن مخالفة تلك القوانين تعرض السائق للضرر، وأن المشرعين لقوانين السير أرادوا من تلك التشريعات الحفاظ على أرواحنا وأملاكنا وليس العكس"، مشيرا إلى "أنني خسرت أخي بسبب تحدّثه الى هاتفه أثناء القيادة"، وأضاف: "لقد اعتدت بعد هذه المصيبة أن أتجاهل هاتفي أثناء القيادة مهما كان الأمر ضروريا".
ويعزو روجيه ديب السبب في إسترسال السائقين في استخدام الهاتف النقال إلى رجال الشرطة، "الذين لا يشددون العقوبة على المخالفين، والذين ينظمون بين الفترة والأخرى حملة لمدة يومين أو ثلاثة، ومن ثم يعود السائقون الى ارتكاب مخالفاتهم". ويضيف: "إن أحد أسباب ارتكاب هذه المخالفة ضعف حملات التوعية التي تنظمها إدارة مرور الشرطة والجهات المعنية بذلك، حيث ينساق الناس عادة إلى تصوراتهم التي تكمن في الأفكار التي يحصلون عليها من مجتمعهم والبيئة التي يعيشون فيها، فإذا ما شاهدوا أو قرأوا أو استمعوا إلى برامج توعية كثيرة تحذر من أضرار استخدام الهاتف النقال أو كتابة الرسائل أثناء القيادة، فإن هذه المعلومات والبرامج ستنتقل إليهم وتتحول أفكاراً تدخل اللاوعي لديهم، وتجد لتصوراتهم الجديدة مكاناً في أدمغتهم، وبذلك يبدأون شيئاً فشيئاً الالتزام والامتثال بعد الاقتناع بخطورة الأمر ومعرفة إيجابياته وسلبياته في وضوح".
من جهته، يشير جواد حبيب (صاحب محل بيع زينة السيارات) الى أن "التطور التكنولوجي أتاح للسائقين استخدام هواتفهم النقالة أثناء القيادة من دون التعرض للخطورة أو التسبب بأي أضرار، وذلك من خلال استخدام تقنية "البلوتوث" التي يستطيع أي سائق استخدامه".
في أي حال، لم يبقَ هناك من خيار في رفض هذه الخدمات أو قبولها، فإما يكون الجميع ضمن معادلة التطور التكنولوجي وسرعة تبادل المعلومات أو في خارجها. فلا احد يعلم على أي تكنولوجيا او موضة سيستفيق غدا، وقد يأتي يوم يترحّم الجميع فيه على هذه الخدمة!