مقاربة وطنيّة

عندما عاد الجنرال عون من فرنسا، وأفرج عن الدكتور سمير جعجع بعد أسر طويل، خيّل للمسيحيّين أنّ المعادلة الوطنيّة استعادت استقامتها، من باب التوازي والتوازن بين حدّي هذه المعادلة. فالرجلان مستويان فوق ثوابتهما، مع تبديل في النهج أي في أسلوب التعاطي مع مكوّنات الوطن الأخرى. فكان لا بدّ من الانفتاح على هذه المكوّنات، لأنّ القوقعة سبيل الى زيادة التهميش ولا سيّما أنّ الرعاية "السوريّة" غيّبت الدور المسيحي ما عدا بعض الطفيليّين من مقبّلي الأرض والأيادي. وراح المسيحيّون يأملون في معاينة صفحة جديدة على أنقاض إمكان إعادة إنتاج الوهم، ما يعني الإمساك التقليدي بالسلطة والتمنطق بالإمتيازات.

كان الواقع اللبناني مفروزا على المستويين الأفقي والعمودي، ومقسوما بين محورين شرقي وغربي مطعّم بالإعتدال العربي، ومنجذبا بشكل حادّ بين قطبين سنيّ وشيعيّ، العلاقة بينهما "صراعيّة" مستترة، وهي تشبه وصف الشاعر لمرض الجرب الذي يصيب الجلد، إذ هو" كالعرّ يكمن حينا ثمّ ينتشر". أمام هذا المشهد، تقاسم قطبا المسيحيّين التوجّه، وأصبحا ، حسب علم الرياضيّات النّظري، القاسم المشترك بين المسنّنات، وهو قاسم لا غنى عنه كعامل للتهدئة وتليين الحدّيّة. فخيّل إلينا أنّ وعيا مشتركا تسلّل الى قنوات الدماغ لدى صاحبي القرار المسيحي، فاندفعا الى مدّ اليد وتبادل الثّقة مع الساحتين السنيّة والشيعيّة، ليس لمجرّد الإنفتاح، بل لترويج ثوابت المسيحيّين المتماهية مع مفهوم الوطن والدولة والسيادة.

انا لست بصدد اتّهام الشركاء بأنّهم لم يكونوا يتمتّعون بالإحساس الوطني، لكنّهم لم يتقاطعوا بشكل ناجز مع المسيحيّين في مكوّنات الإسترتيجيّة الوطنيّة، أي الثوابت التاريخيّة على صعيد المواطنة والإنتماء والولاء وإيديولوجيّة الدولة. فالسنّي والشّيعي أشركا معا مع لبنان في مراحل سابقة لبنانات أخرى، ولعلّ التدرّج في المواقف خلال العقود المنصرمة خير شاهد وحجّة. وكان رهان على رجلين، وهو رهان يتوقّف على شرطين: مدى نباهة المبادر وتجرّده وقدرته الإقناعيّة وإيمانه بإنجاح المهمّة التي فرضها على نفسه، ومدى تقبّل الآخر للفكر المقترح وتخلّيه عن الذهنيّة المسبقة في مناقشة ما يعرض عليه، واستعداده لتليين الموروث وللتعاطي مع الطروحات بموضوعيّة مطلقة. وكان السؤال الضّاغط : هل ينجح الرجلان في امتحان تحويل الصعب الى ممكن؟

وجاءت النتيجة المنتظرة، وتفوّق واحد وفشل آخر. لقد نجح سمير جعجع عندما أطلق السنّي شعار " لبنان أوّلا "، وجاهر بانتمائه الكلّي للبنان الوطن النهائي ولمقوّمات الدولة، ودافع عن السيادة والعدالة والحريّة والشراكة والحقّ في الاختلاف. وقد دفع السنّي، بفعل هذا الإنقلاب الإيجابي، شهداء رفع السقف الوطني. نجح سمير جعجع عندما تموضع السنّي في دائرته. حرّك من دون أن يتحرّك . إضافة الى إنّ ثبات، بل عناد سمير جعجع على خطاب وطني واحد طيلة مسيرته النضالية، وقد وقّع الخطاب بالعرق والدم، ربّما دفع السنّي الى البحث عن سبب هذين التمسّك والإصرار، ووجد أنّ الرّجل صادق في وطنيّته المتجرّدة، وتصلح تجربته أن يحتذى بها. والمشهود للسنّة أنّ القناعة الوطنيّة لم تأبه لعامل العدد، فتفوّقت معهم الوطنيّة بمعانيها .

أمّا أخفاق عون فيعود الى ذوبانه في أهل حزب الله، من دون أن يشكّل بالمقابل ولو عامل تأثير ثانوي. فبدلا من أن ينجح في استقطابهم الى ثوابته التي جمّع عليها مؤيّديه، كان هو نفسه أوّل من أدار ظهره لهذه الثوابت، وتبنّى استراتيجيّة الحزب الهجينة المستوردة المنافية لكل مقوّمات الدولة والشرعيّات الوطنيّة. وقد نجح الحزب في استخدام الجنرال متراسا متقدّما تارة في الدفاع وطورا في الهجوم، ونقد المنقلب ثمن ذلك نوّابا ووزراء وموظّفين وأعطيات مشكورة. مع الجنرال، ربح الجنرال وخسر لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل