الحراك السياسي الذي ضرب لبنان وسوريا منذ اكثر من سنة، رسم وقائع جديدة لم يوفّق طرفا النزاع الرئيسان في لبنان، أي 14 و8 آذار في قراءتها قراءة موضوعية. ويمكن القول إن التمنيات في السياسة كثيرا ما تؤدي الى اخطاء، أحيانا قاتلة.
في ما يأتي قراءة، تحاول ان تُبعد قدْر الإمكان العاطفة والتمنيات في سياق التحليل.
في الموضوع اللبناني: فَقَدَ الاسد قدرة المبادرة والتحرك في لبنان، ولكن. اصبح الاسد ورقة في يد "حزب الله".
ويخطىء من يظن العكس. ان "حزب الله" يمارس قدْرا كبيرا من ضبط النفس والتواضع السياسي، بعكس كلام اخصامه على "عنجهيته" وتصرفه من واقع "فائض القوة". احيانا بعض اطراف 14 آذار، يقاربون مسألة سلاح "حزب الله"، وكأنها مسألة داخلية بامتياز ويتمادون في اجتراح الحلول او سبل المواجهة، إذ ذاك يُضطر السيد حسن نصرالله ونائبه الى ارسال اشارات مفادها ان الموضوع "اكبر منكم"، وإن كل تجاوز لحدود معينة، ستدفع 14 آذار ثمنه. "حزب الله" شريك في صنع القرار الايراني وليس تابعا.
وما يريده "حزب الله" في لبنان، سيلقى الدعم من الاسد لأنه يحتاج الى ايران في "صراع بقائه". والحقيقة المُرة تقتضي الاعتراف بأنّ حجم 14 آذار في لبنان تساوى مع حجم الاسد في سوريا، ولكن "حزب الله"، الايراني، اصبح اكبر من الاثنين، في لعبة التفاوض الدولي. الامر لن يتغير في المدى المنظور، ولكن "يخلق الله، (لحزب الله) ما لا تعلمون".
في موضوع الانتخابات النيابية: طارت، ولكن. عندما اقفلت "حرب تموز" الحدود الجنوبية في وجه حركة "حزب الله"، اندفع الى بيروت ليعوِّض ورقة بورقة، ونجح. واستتباعا، لن يتساهل "حزب الله"، والسخونة الاقليمية عالية الدرجات، في إمرار قانون انتخابات لا يضمن سلفاً اكثرية لـ 8 آذار.
لن يُخاطر "حزب الله" بأكثرية قد تتغير ببضعة اصوات او بحكم الوفاة او الاغتيال! المسألة ابعد من نائبين لـ 14 آذار في كسروان، او نائبين لـ 8 آذار في زحلة.
لو نجحت محاولة اغتيال سمير جعجع لكانت حظوظ الانتخابات اكبر. وإذا لم نشهد اتفاقا يشبه "الدوحة" فلن تحصل انتخابات، خصوصا "انتخابات كسر عظم".
قانون الستين معدلا، او النسبية في اشكال عدة، تفاصيل غير مهمة في ضوء المصير الكبير الذي ينتظر لبنان وسوريا. وقوة أطراف 14 آذار انّ الزمن الآتي لمصلحتهم. وقوة "حزب الله" انه يريد عبر الحاضر إبعاد معادلات المستقبل. فهل ينجح؟
في الموضوع السوري: النظام سقط، ولكن. سلطة الرئيس الاسد واعوانه لم تسقط.
وليس من مؤشر الى ان الاسد ينتظره مصير مماثل او مشابه لما حصل في ليبيا او مصر او حتى في اليمن. أقصى ما يمكن توقعه، ميدانيا، مناطق آمنة. هذا التطور الميداني سيتيح للأسد تعزيز منطقة عرينه الممتدة من الشريط الساحلي الى جبال العلويين.
منطقة مفتوحة على البحر، والاهم مفتوحة على اللعبة الدولية، التي سيجد الاسد من خلالها من يتبادل معه المصالح والاوراق. باختصار، سيغلب على المرحلة المقبلة واقع يراوح بين حرب اهلية وحرب استنزاف، لن يُكتب للاسد او اخصامه القدرة على الحسم فيهما.
في الموضوع الدولي: الاسد يخوض "صراع بقاء" بعدما خسر قدرته على التأثير إقليميا، او قدرته على إعادة عقارب الساعة في الداخل السوري الى الوراء، ولكن. لم تتحرك ولن تتحرك الولايات المتحدة الاميركية نحو مفاوضات مع روسيا وغيرها في شأن سوريا، وهي تراقب معارضة سورية مفككة، ولا تملك برنامجا وطنيا واضحا.
ومما سيزيد في التحفظ الاميركي، انتظار معنى الاشارات الايرانية الايجابية في الملف النووي، ومدى صدقيتها في اجتماع بغداد نهاية أيار.
في موضوع الجوار السوري: ثمة تغاضٍ اميركي عن حرية تحرك ايراني في الساحة العراقية. وما تبرئة القضاء العراقي للناشط في حزب الله علي الدقدوق، والمطلوب من واشنطن، إلا إشارة صغيرة، تخفي وقائع أكبر وأهم. من هذه الوقائع، تغاضي واشنطن عن التسريبات المالية الهائلة من بغداد الى دمشق.
أما جلوس حليف ايران، الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، الى طاولة واحدة مع الاكراد في مواجهة رئيس الحكومة نوري المالكي، فيعني ان بغداد ستكون احدى ترجمات التقارب الايراني- الاميركي. وعليه، سيأمن الاسد الجبهة العراقية عندما تتحرك الجبهة التركية. وعلى رغم ان الحدود العراقية السورية في معظمها ذات كثافة سنية، فمن يتحرك الان على هذه الحدود هو "القاعدة". الاسد يعيش حال "لحس المبرد"، ودخول القاعدة يصب آنيّاً في مصلحته.
خلاصة: الحركة الدولية بطيئة في الموضوع السوري، وما لم تحصل تطورات دراماتيكية تكسر هذا البطء، يجب الانتباه الى قدرة "حزب الله" على إحداث وقائع لبنانية واقليمية، قد يستغرق ازالتها وقتاً طويلاً… حتى لو زال الاسد.