تكتيكان اعتمدهما "حزب الله" وحلفاؤه مع اختتام مؤتمر الدوحة. الأول تحصيل ما يمكن تحصيله، للبناء عليه في محاولة تعديل ميزان القوى في لبنان لصالحهم، مثل الإصرار على قانون 1960 للانتخاب، باعتباره وفقاً لحساباتهم أنه سيؤمن لهم الأكثرية النيابية في المجلس العتيد.
والثاني ممارسة "التقية السياسية" في مقاربة عناوين أخرى دفعتهم الى الموافقة على بعضها في الدوحة، قبل "الإنقلاب" عليها في بيروت.
هذا هو حال موافقة فريق الثامن من آذار، في العاصمة القطرية على البند المتعلق بتشكيل الحكومة، والتعهد هناك ممهوراً بتواقيعهم بأن "لا إعاقة لعمل الحكومة أو الاستقالة منها"، مقابل حصولهم على ما سُمّي "الثلث المعطل".
ذلك أن ما التزم به الحزب وحلفاؤه في الدوحة. عادوا وتنكروا له في بيروت، نافضين ايديهم من كل ما وقّعوا عليه رغم وجود شهود كُثر.
حمد بن جاسم ينذر 8 آذار بإعلان الفشل وتحميلها المسؤولية
فنيش زاجراً باسيل: خلص انتهينا نكمل المناقشة في لبنان
انتهت الجلسة الثالثة وقبل الأخيرة المولجة بمناقشة قانون الانتخاب، بتهديد قطري واضح وصريح أطلقه رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم، عندما أبدى استياءه من "مشاكسات" جبران باسيل المتواصلة لعرقلة أي اتفاق، تارة بحجة أنه يريد "استرجاع حقوق المسيحيين" وطوراً بذريعة أنه يصّر على إيجاد آلية لمراقبة الانتخابات وماليتها.
قال الشيخ حمد ما حرفيته: "ما عنّا شغل غيركم؟" اتفقوا بقا. إذا لم تسهّلوا الموضوع فسأعلن غداً فشل أعمال المؤتمر وأحمّل المعارضة مسؤوليته.." وغادر القاعة.
في اليوم التالي وبعد اتصالات بين الشيخ حمد وبين النائب سعد الحريري وقادة 14 آذار، عُقدت الجلسة الرابعة والأخيرة للجنة قانون الانتخاب، وقد افتتحها رئيس الوزراء القطري باقتراح الآتي: "تُقسّم بيروت إلى ثلاث دوائر. الأولى تضم الأشرفية والرميل والصيفي، والثالثة تضم المزرعة وعين المريسة وزقاق البلاط ورأس بيروت، أما الثانية التي تضم الباشورة والمرفأ والمدور فهي دائرة سيتم التوافق حول توزيع مقاعدها بين الموالاة والمعارضة من دون تنافس".
وافق ممثلو قوى 14 آذار على الاقتراح، فيما عاد باسيل إلى إثارة موضوع مالية الانتخابات ومراقبتها، معرباً عن احتجاجه على التوصل إلى اتفاق بين الجميع "من دون علمنا". فرّد الآخرون ان هذا الموضوع يمكن معالجته في بيروت ولا يحتاج إلى مؤتمر عربي. ولدى احتجاج باسيل من جديد أعرب رئيس الحكومة القطرية عن استيائه فما كما من محمد فنيش الا ان توجه إلى باسيل بالقول "خلص. انتهينا، نناقش هذا الموضوع في لبنان". ورُفعت الجلسة التي تحدث فيها فنيش للمرة الأولى بخلاف الاجتماعات السابقة حيث كان علي حسن خليل يتولى تسويق الأفكار او المواجهة مع ممثلي قوى 14 آذار.
حل الأزمة أم حل البلد؟
أعقب هذه الجلسة لقاء جانبي عُقد بين النائبين غازي العريضي وعلي حسن خليل بحضور رئيس الوزراء القطري وجرى استدعاء الدكتور غطاس خوري إلى هذا اللقاء حيث كان موضوع النقاش من جانب حسن خليل كيف يمكن أخذ موقف عون في الاعتبار. فقال العريضي "يا أخ علي تريدون حلّ الأزمة او حلّ البلد؟ إذا كنتم تريدون حلّ الأزمة فلا يمكن أن يعود سعد الحريري إلى بيروت مهزوماً. أما إذا كنتم تريدون حلّ البلد فلا إمكانية للوصول إلى اتفاق. يجب العمل على تسوية مشرفة للجميع". فقال الشيخ حمد "ما يقوله الوزير العريضي صحيح ونحن نقول اننا لا نقبل بعودة الحريري مهزوماً إلى بيروت". فرّد حسن خليل "طيب نريد التشاور مع حلفائنا". فقال له الشيخ حمد "اين جبران (باسيل)؟ فليحضر إلى هنا". أجاب حسن خليل "هو نائم". فقال له "أيقظه وأحضره إلى هنا، نريد أن ننتهي الليلة".
تسارعت الاتصالات وبدأت مهمة "حزب الله" بإقناع حليفه العماد عون بالموافقة على بنود الاتفاق. سوّق الحزب مسعاه مع الجنرال تحت عنوان ان اعتماد قانون الستين للانتخاب هو مطلبه في الأساس وان اعتماد هذا القانون سوف يقود إلى فوز فريق 8 آذار في الانتخابات النيابية المقبلة، وخصوصاً مرشحي عون في المناطق المسيحية، بحيث تؤهله هذه الأكثرية المسيحية خصوصاً واللبنانية عموماً لخوض استحقاق الرئاسة بعد انتهاء ولاية سليمان. فذهب الجنرال إلى اقتراح ان تقتصر ولاية سليمان على سنتين فقط، لكن أحداً لم يوافق على ذلك لا من حلفائه ولا من العرب.
وظّف القطريون علاقاتهم الخارجية في سبيل انجاح الاتفاق. فهم لم يكتفوا بالتواصل مع سفراء مجموعة من الدول الذين كانوا في الفندق الذي يقطن فيه المؤتمِرون وحسب، وانما نشطت الديبلوماسية القطرية في اتجاه أكثر من عاصمة عربية وإقليمية ودولية. فلم يهدأ هاتف رئيس وزراء قطر طيلة الأيام التي استغرقها المؤتمر، تارة مع طهران وطوراً مع دمشق، ودائماً مع واشنطن.
وافق المؤتمرون على كل عناوين النقاش وعلى صيغها النهائية. وحده عون بقي متردداً، تارة بهذه الذريعة وطوراً بتلك. اتصل الشيخ حمد بن جاسم بنظيره الإيراني منوشهر متكي طالباً المساعدة في إقناع عون. اتصل متكي برئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد الموجود في الدوحة، فتولى معالجة تردد عون الذي قبل بالحل.
كل الديبلوماسيين العرب والأجانب الذين حضروا إلى الفندق لمتابعة مسار الأمور أحيطوا علماً باقتراب موعد الحل.
مساء 20 أيار وبعد المسلسل الطويل من المفاوضات الشاقة، أعلن القطريون أن الاتفاق سيُعلن في اليوم التالي وبحضور جميع الأطراف.
توجّه غطاس خوري ونادر الحريري إلى بهو الفندق، وكانت الساعة قاربت الرابعة فجراً. دعاهما أحد كبار المسؤولين القطريين الذي صودف وجوده هناك يحتسي الشاي، للجلوس معه. قال لهما: "مبروك الاتفاق، تعرفان انه لولا هذا الاتفاق لعاد الاحتقان إلى بيروت. نحن ساهمنا في حمايتكم عندما كنتم تحت الحصار في قريطم وكليمنصو والسرايا. اتصلنا بقيادة حزب الله فأبلغنا ان لا مشكلة وأن لدى عناصر الحزب تعليمات باقتحام حدائق المنازل وليس المنازل نفسها".
300 قتيل.. ليس كثيراً!
سارع غطاس إلى القول: "لكن أنت تعرف ان قصر قريطم محاط بحراس وان مجرد اقتحام حديقة القصر كان يمكن ان يتسبب بمجزرة قد تحصد 300 قتيل أو اكثر". فأجاب المسؤول القطري "300 قتيل هو رقم كبير بالنسبة اليكم، لكن ربما هو ليس كبيراً بالنسبة إلى غيركم".
عندها أدرك خوري والحريري حجم التهديد الذي كان يحاصر بيروت خصوصاً ولبنان عموماً.
في صباح اليوم التالي اجتمع المشاركون في المؤتمر برعاية أمير قطر وحضور اعضاء اللجنة الوزارية العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية. تمت تلاوة نص الاتفاق وجرى التوقيع عليه من قبل كل المشاركين. تخلل هذا الحفل مصافحة وعناق بين اعضاء كل الوفود قبل ان يعودوا جميعاً إلى بيروت كما جاؤوا منها، أي بواسطة طائرتين قطريتين اختلط فيهما وفدا الموالاة والمعارضة.
إثر العودة إلى بيروت رفعت قوى المعارضة الاعتصام من وسط بيروت فيما بدأت الدول تعلن ترحيبها بالاتفاق.
حدد الرئيس بري جلسة لمجلس النواب بعد ظهر الأحد 25 ايار، حيث انتخب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بحضور رسمي عربي وأجنبي، يتقدمه امير قطر ورئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان وحشد من رؤساء المجالس النيابية ووزراء الخارجية وممثلي الدول. نال سليمان 118 صوتاً متجاوزاً ثلثي أعضاء مجلس النواب المطلوب للاقتراع من الدورة الأولى، فيما وُجدت ست أوراق بيضاء وثلاث اوراق بأسماء مختلفة تردد أنها لعون وعدد من أعضاء كتلته.
وفي 28 أيار سمي فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة، فشكلها وفقاً لما نصّ عليه اتفاق الدوحة: 16 وزيراً للأكثرية، 11 للمعارضة وثلاثة وزراء لرئيس الجمهورية.
وبدأت رحلة اختبار اتفاق الدوحة الذي اعاد الوضع الميداني إلى نصابه، لكن أبقى الوضع السياسي مفتوحاً على احتمال نكث ما ورد فيه من تعهدات من قبل فريق الثامن من آذار. ففريق الرابع عشر من آذار وافق على اقتراح "الثلث المعطّل" مقابل ضمانات بعدم استخدام هذا التعطيل، لا اثناء عمل الحكومة ولا من خلال الاستقالة التي لجأ فريق 8 آذار إليها لاحقاً من خلال استقالة وزرائه من حكومة الرئيس سعد الحريري، ومعهم "الوزير الملك" الذي كان عبارة عن فكرة ابتكرها الرئيس نبيه بري في الدوحة علّها تحل المشكلة، واذ بها تتحول إلى مشكلة بعينها في وقت لاحق.
وبهذا المعنى وفي جردة لنتائج مؤتمر الدوحة يمكن الاستنتاج أن الطرفين حققا مكاسب ومُنيا بخسائر في آن. فصحيح ان "الثلث المعطّل" شكل خسارة سياسية لفريق 14 آذار، لكن انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية مثّل خسارة مقابلة للعماد عون. وفيما ظن الأخير ومعه حلفاؤه ان قانون 1960 سيشكّل فرصة له للحصول على الأكثرية في الانتخابات النيابية، وقد شاطرتهم في هذا الرأي دول كثيرة في مقدمها ايران وفرنسا أيضاً، ولدى عودة عون وفريقه إلى بيروت رفعوا شعار "الحق عاد لأصحابه"، جاءت نتائج انتخابات 2009 مخالفة تماماً لهذه التقديرات، ما اضطر هذا الفريق المدعوم من سوريا وإيران للجوء إلى 7 أيار سياسي هذه المرة تمثّل بإسقاط حكومة سعد الحريري بواسطة التلويح بالسلاح عبر "القمصان السود".
بعد شهر ونيف من توقيع اتفاق الدوحة قام الرئيس السنيورة بزيارة رسمية الى القاهرة. حُدّد له موعد مع الكاتب المصري الشهير محمد حسنين هيكل، فزاره في منزله. خلال النقاش الذي تناول أوضاعاً اقليمية ودولية، توّقف هيكل عند ما جرى في لبنان في 7 أيار متسائلاً: "ايه ده التخبيص اللي عملو سعد الحريري؟ الحمدالله ان "حزب الله" كان واعياً للمؤامرة وأحبطها". سأله السنيورة "عن أي مؤامرة تتحدث؟" قال هيكل "لدي معلومات تؤكد أن سعد الحريري جهّز 30 ألف مقاتل من طرابلس وعكار وزجّهم في بيروت، وأنه لو لم يقمْ "حزب الله" بما قام به لكانت طامة كبرى". فضحك السنيورة وقال "لم يكن هناك مَن كان مسلحاً حتى بعصا، اين تعيش يا استاذ هيكل؟".
