إذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن إجراء التعيينات القضائية والإدارية، وحتى عن إصدار الموازنة العامة للدولة التي يحتاجها لبنان بإلحاح، فكيف يمكنها الاتفاق على قانون جديد للانتخابات النيابية، بغض النظر عن المصلحة العليا للبلد وصحة التمثيل النيابي في هذا القانون… وبعد ذلك تصديق مجلس النواب الحالي عليه؟.
وإذا كانت الحكومة "باقية حتى إشعار آخر"، كما بشرنا الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله أكثر من مرة سابقاً، فكيف يمكن إذاً لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس هذه الحكومة نجيب ميقاتي ومكونات (الأصح، حكومات) هذا الكائن المشوه والغريب والعاجز في تاريخ لبنان التصرف على أساس أن الانتخابات ستجري في موعدها الدستوري العام المقبل؟.
وإذا كان لبنان يتجه الى عدم إجراء هذه الانتخابات، بما يعيد تذكير اللبنانيين بمنع الانتخابات الرئاسية في العام 2007، أو بإجراء الانتخابات النيابية حسب القانون الذي لم يقل سياسي واحد كلمة مديح به ـ قانون العام 1960 ـ فأي مستقبل ينتظر هذا البلد خلال المرحلة السريعة المقبلة… حتى لا نتحدث عما بعدها؟.
واقع الحال، أن الشلل التام الذي يضرب البلد، أفقياً وعمودياً وفي كل وجوه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمالية، لا يجسد صورة بالغة السواد للحاضر والمستقبل القريب فقط وإنما أيضاً وأساساً للمنزلق الخطير الذي يتجه بسرعة اليه. وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، وتحديداً إذا ما بقيت "قوة الأمر الواقع" تهيمن على الحياة السياسية كما على الحكومة والاقتصاد والمال والأمن، فليس لأحد أن يتوقع مستقبلاً أقل سوءاً وسواداً مما جرت الإشارة اليه.
لكن، لنعد الى الحكومة التي بات رئيسها نفسه يدرجها في خانة "لزوم ما لا يلزم"، كما نقل عنه في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، والى ما يمكن أن تفعله (أو لا تفعله، كما هو حالها منذ تأليفها قبل أكثر من عام) في الفترة المقبلة.
فهي "لا سلطة" تنفيذية، بقدر ما هي سلطات متناقضة تقف كل منها تقريرياً وتنفيذياً في وجه الأخرى. هذا ما يعترف به حتى الوزراء أنفسهم عندما يتحدثون عن وقائع الجلسات التي تعقدها، وعن طبيعة العلاقات بين أعضائها. أكثر من ذلك، فكما يقول أحدهم، لا يكاد يختلف حال جلسات مجلس الوزراء عن الجلسات الأخيرة لمجلس النواب بما فيها من تعابير نابية وغير مسبوقة في بعض الأحيان.
ولذلك فمن السذاجة توقع أن تكون الفترة المقبلة من عمر الحكومة، طالت هذه الفترة أو قصرت، مختلفة في شيء عن الشهور الأربعة عشر الماضية، لا من حيث الانتاج لجهة حل الضائقة المعيشية التي يعاني منها المواطنون، ولا من حيث تقاسم الحصص في ما بين الأطراف المشاركة فيها.
"لا سلطة"، لكنها باقية حتى إشعار آخر كما يبلغنا السيد حسن نصرالله بين فترة وأخرى. ولا انتاجية، لكن لا يهم "لأن الحكومات في لبنان تولد بالسياسة وتموت بالسياسة"، كما يضيف، من دون أن يطلع أحداً على ماهية السياسة التي تعلن موتها ما دام قد أطلعنا على تلك التي أملت إسقاط الحكومة السابقة وتشكيل هذه الحكومة. كانت الذريعة في السابق تتمحور حول القرار الاتهامي للمحكمة الدولية وما يسمى "شهود الزور" وضرورة إحالة قضيتهم على المجلس العدلي، فهل يكفي شلل الحكومة الكامل ومعها البلد كله لإعلان موت الحكومة (وهي ميتة، ولو من دون إعلان وفاة بعد) أم أن السياسة هنا لا دخل لها إلا بالاستراتيجية الإقليمية والدولية وليس بحياة اللبنانيين وحاجاتهم وقوت عيالهم؟.
مثل الـ"لا سلطة" هذه، لا تنأى بنفسها عن الحكم كما يقال تماشياً مع موقفها من الوضع في سوريا، بل إنها لا تملك أن تمارس الحكم حتى لو حدث أن خطر في بالها يوماً أن تمارسه. ولا يتعلق الأمر فقط بـ"قوة الأمر الواقع" التي تهيمن على البلد، وإنما بالوظيفة التي وضعت لها منذ تشكيلها بالصورة التي تم فيها هذا التشكيل: انتظار ما ستؤول اليه الأوضاع في المنطقة، وخصوصاً منها في إيران وسوريا.
هل تفترض الأوضاع الراهنة في إيران وسوريا، وامتداداتها في العراق ودول الخليج العربية، إجراء أي انتخابات نيابية، فضلاً عن أن تكون ديموقراطية وتمثيلية فعلية، في لبنان في موعدها الدستوري في ربيع العام المقبل؟.
ثم، وإذا كان الجميع في لبنان متفقاً على أن الوصاية السورية عملت دائماً على تنفيذ ما يخدمها من "اتفاق الطائف" وحالت دون تنفيذ الباقي على امتداد الأعوام الـ24 الماضية، فلماذا يثار الآن موضوع النسبية في الانتخابات بدعوى أنه أحد بنود الاتفاق، بينما يتم تجاهل البنود الأخرى وفي مقدمها اللامركزية الإدارية الموسعة وإعادة تقسيم المحافظات والأقضية وإنشاء مجلس الشيوخ وغيرها؟.
وبعد ذلك كله، لماذا تعمد لوضع العراقيل أمام استئناف الحوار الوطني، بل ونسف مبدأ الحوار من أساسه، بدعوى أنه لا يجوز البحث في قضية سلاح "حزب الله" من جهة أولى، ولا حاجة الى إعادة مناقشة الاستراتيجية الوطنية للدفاع بحجة أن حكومات لبنانية متعاقبة قد تبنتها تحت شعار "الجيش والشعب والمقاومة" من جهة ثانية؟.
واقع الحال، أن "قوة الأمر الواقع" تنظر الى أي انتخابات مقبلة من زاوية قدرتها بالتعاون مع حلفائها على الهيمنة على السلطة التشريعية في لبنان، بعد إحكام هيمنتها حالياً على السلطة التنفيذية والعديد من المواقع الأمنية والإدارية والقضائية.
لماذا؟. مرة أخرى، بانتظار التطورات المقبلة في إيران وسوريا وغيرهما مما يطلق عليه "محور المقاومة والممانعة".
… وإلا، ففي خطتهم للفترة الراهنة على الأقل، أن لا انتخابات نيابية في لبنان ولا من يحزنون!.