«العودة» السعوديّة – العربيّة المطلوبة

تتصرّف إيران على قاعدة أنّ نظام بشار الأسد ساقط، بل انّه سقط فعلاً. وهذا ما يمكن تلمّسه أيضاً من خلال مواقف "حزب الله" وممارساته. غير أنّ طهران لا "تتسرّع" في إعلان دفن الجثّة، فهي تبحث عن السعر.

في هذا السياق بالتحديد، ركّزت إيران في الآونة الأخيرة تركيزاً شديداً على لبنان. وإحدى أبرز محطّات هذا التركيز، كانت زيارة نائب الرئيس الإيرانيّ إلى لبنان قبل أيّام، التي هدفت إلى إحاطة الدولة بكمّ كبير من "السخاء".

وفي تركيزها المشدّد على لبنان، يبدو أنّ إيران تسيرُ في أحد اتجاهين: إمّا إحكام النفوذ على البلد في مسعى لـ"تعويض" الخسارة السوريّة، أي في مسعى لتعويض الموقع السوريّ، وإمّا استخدام الوضع اللبنانيّ في التفاوض الجاري مع الغرب أي لتحسين موقعها التفاوضيّ مع الغرب ولو تمّ ذلك عبر خلق اضطرابات ما.

وفي هذا التقدير لاتجاهَي الحركة الإيرانيّة باتجاه لبنان، ثمّة تجربة يُستند إليها من جهة وثابتة ينبغي احتسابُها باستمرار من جهة أخرى.

التجربة تقول إنّ إيران وضعت نصب عينيها في نيسان 2005 مع إخراج النظام السوريّ من لبنان، وراثة هذا النظام ونفوذه ودوره في البلد، معتمدةً على قوّة "حزب الله" التي جرت تنميتُها باطراد عبر السنوات… وقد حقّقت لنفسها هذه الوراثة، ولو أنّ هذه بقيت فيها شراكةٌ سوريّة معيّنة، لكنّها كانت وراثة بتوازن إيرانيّ أرجح. وعليه، فإنّ وراثة النظام السوريّ بعد سقوطه يُعتبر – إيرانياً – مشروعاً "منطقياً".

أمّا الثابتة التي تقعُ ضمن الإستراتيجيّة الإيرانيّة فهيَ أنّ جعل لبنان موطىء قدم لإيران أو موقعاً إيرانياً على المتوسّط، يمثّل عنواناً كبيراً لإيران الطامحة إلى أن تكون دولة نوويّة… وذات نفوذ إقليميّ واسع في آن.

بطبيعة الحال ليس الهدف من هذه المقدّمات القول إنّ أحداً أو شيئاً لا يعترضان سبيل هذا المشروع الإيراني. وكذلك ليس الهدف القول إنّ إيران في وضع داخليّ وإقليميّ ودوليّ مريح يجعلها متمكّنة من هذا المشروع. بل على الأرجح إنّ ما يعاكسه أكبر بكثير ممّا يساعده.

إنّ الهدف هو التنبيه إلى حقيقة أنّ لبنان، في ظلّ سقوط نظام الأسد، يواجهُ مشروعاً إيرانياً أو مغامرة إيرانيّة بلبنان… مغامرة "جديّة" وإن لم تكن حتميّة.

ولذلك، فإنّ خطاب "حزب الله" المتضمّن مواقفه ليسَ مرجعاً يمكّن من الحسم في اتجاه الأمور في لبنان. فلا إذا كانَ خطابه "هادئاً" يكون مؤشراً إلى اتجاه هادئ وآمن حتماً، ولا إذا كان خطابُه هجومياً تصعيدياً يكون مؤشراً إلى اتجاه قاس وعنيف بالضرورة. فحزب الله يقرنُ كل "اللغات" و"الأشكال" و"الوسائل" ببعضها.

من هنا، فإنّ المهمّ هو الخطر الذي يقيم لبنان في دائرته في هذه الآونة.

على أنّ اللافت في هذا الخضمّ كان أمران.

الأوّل تجلّى في زيارة مساعدة الخارجيّة الأميركيّة جيفري فليتمان إلى بيروت بالتزامن مع زيارة نائب الرئيس الإيراني رحيمي. فبدا المشهد اللبنانيّ (في تلك اللحظة) مشهداً أميركياً – إيرانياً. مشهد كباش أميركي – إيرانيّ تزامناً مع مفاوضات. مشهدُ "اهتمام متناقض" بين أميركا وإيران بلبنان. مشهدُ جهتَين، واحدة دوليّة وثانيّة إقليميّة، مقتنعتَين بأنّ نظام بشار الأسد انتهى وتبحثان في ما بعدَه.

في الظاهر، قد يبدو مِن هذا المشهد، أنّ "حضور" الولايات المتحّدة ليس فقط يوازن "حضور" إيران، بل يمكن أن يتواجه معه. لكن في العمق هو مشهد ينطوي على خطورة.
أمّا الأمرُ الثاني – الذي يفسّر خطورة المشهد – فهو ما يمكن تسميتُه "الفراغ العربيّ" في لبنان.

صحيح أنّ الوضع العربيّ والوضع الدوليّ منشغلان بسوريّا. بيدَ أنّ المنطق يقول إنّه لا يمكن للانشغال بسوريّا أن يحجبَ لبنان عن الأعين وعن التفكير.

في هذا الإطار، يلفت متابعون جادّون إلى واقع يرون أنّ استمراره غير جائز.

منذ نهاية الـ "س.س" التي واكبتها قطر وتركيا وغيرها، غابَ الاهتمام العربيّ بلبنان بل غاب الهمّ العربيّ في لبنان. وخرجت المملكة العربيّة السعوديّة من هذه التجربة بـ"مرارة".

لكن ما يحصل في سوريّا، واحتمالات تداعياته في لبنان، ومقتضيات منع التلاعب الإيراني بالوضع اللبنانيّ… إنّ كلّ ذلك يستدعي "العودة" السعوديّة – العربيّة إلى لبنان بإلحاح،
كي لا يبقى المشهدُ أميركياً – إيرانياً صرفاً. عودة سعوديّة – عربيّة تنشر فوق لبنان مظلّة تحمي لبنان العربيّ.

إنّ التشديد على هذه النقطة مستمدّ من التاريخ. فلم يسبق في تاريخ لبنان… وصولاً إلى "تسوية الدوحة" في 2008، أن كانَ مثل هذا الغياب العربيّ.

ولطالما كان "العامل العربي" شريكاً أساسياً في معالجة أزمات لبنان ومراقبة مخاضاته ومتابعة تسوياته عندما تنضج ظروفها. ولطالما كان "العامل العربيّ" – السعوديّ خصوصاً – ضمانة في حدّ ذاتها.

وممّا لا شكّ فيه، كي تكتمل الصورة، أنّه من الضروريّ ملاحظة القدر من "الفراغ اللبناني" المواكب لـ"الفراغ العربيّ". والمقصود هنا الارتباك الـ 14 آذاريّ، ليس على صعيد المواقف الإجماليّة بل على مستوى تظهير الثقل الفكريّ – السياسيّ – الشعبيّ.

المفصل اللبنانيّ شديد الوضوح، وخطورتُه بائنة… والحاجة العربيّة كبيرة!.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل