تصلح علاقة محور الممانعة مع تنظيم القاعدة، ومع الكثير من الفصائل السنية السلفية والإسلامية لأن تكون في المستقبل، إن لم يكن في الحاضر القريب، كتاب تاريخ من نوع مختلف يمكن أن يتضمن متى كشف النقاب الكامل عن هذه العلاقة، فصولاً لا تخطر على بال من فرط ما اختزنته هذه العلاقة من أحداث طبعت مساراً كاملاً في المنطقة منذ عشرات السنين وإلى اليوم.
ليس الكلام هنا عن علاقة سياسية للنظام السوري مع معتقليه السابقين من قوى إسلامية في طرابلس، كحركة التوحيد والشيخ هاشم منقارة، ولا عن علاقة عضوية بين هذه القوى و"حزب الله" الذي يمدها بالمال والسلاح، تحت غطاء أنها قوى مقاومة، وليس الكلام أيضاً عن العلاقة مع قوى سنية متطرفة في صيدا ومنطقتها وداخل المخيمات الفلسطينية، بل عمّا هو أكثر سرية وفاعلية، أي عن إرهاب بالإيجار وقفت إيران وراءه كما النظام السوري منذ ما قبل تنفيذ عملية 11 أيلول وما بعدها، كما لو أن كنزاً او منجماً قد اكتشف ووجب الاستفادة منه الى أقصى أنواع الاستفادة.
في مرحلة ما بعد 11 أيلول هرب جزء أساسي من قيادات القاعدة إلى إيران التي وفرت ملجأ آمناً لابن أسامة بن لادن، والكثير من القياديين الذين امتنعت عن تسليمهم للولايات المتحدة الأميركية، وأحد هؤلاء ترك الأراضي الايرانية مؤخراً بعد مقتل أسامة بن لادن، وتحت يافطة هؤلاء نفذت الكثير من العمليات التي كان يتبناها ما سمي بكتائب عبد الله عزام التي تبنت عملية الهجوم على باخرة في مضيق هرمز، تماماً كما كانت تتبنى معظم العمليات التي نفذت ضد اليونيفل في جنوب لبنان.
في تبنّي هذه العمليات ما استحق التوقف ملياً: تدخل كتائب عبد الله عزام افتراضياً الى الجنوب وتخترق منطقة أمنية يسيطر عليها "حزب الله" بشكل محكم، تنفذ العملية، تنسحب بهدوء من دون أن تترك أي أثر ومن دون ان يتمكن الحزب من اكتشافها، وتبقى المنظمة مجهولة، ثم تتبنى العملية في وسائل الإعلام، كل ذلك في توقيت يعقب تهديدات بحقّ اليونيفل من حلفاء سوريا في لبنان.
وإذا تمّت العودة الى الماضي القريب الحاضر دائماً، فإنّ تبنّي الحركات التكفيرية بشخص المرحوم ابو عدس لاغتيال الرئيس رفيق الحريري كان المحطة التي لا بد من دراستها بعمق وتأمل: شاب ملتح يعطي الانطباع الشكلي عن انتماء أكيد للقاعدة يظهر على قناة الجزيرة بعد ساعات على التفجير، ويتبنّى الاغتيال، في رواية اقرب الى الخيال تحاول تضييع معالم الجريمة، وتصوير أن رفيق الحريري "السلفي" قتله السلفيون لخلاف مع السعودية "السلفية"، فتأتي نتائج التحقيق الدولية في القرار الاتهامي، لتروي بالتفصيل مسؤولية من أتى الى احمد لبدة باسم مزيف "محمد" طالباً تعلّم أصول الشريعة الإسلامية، وكيف أحال لبدة هذا الشخص الى أحمد أبو عدس الذي اختفى ليظهر في ما بعد في الشريط المصوّر متبنياً قتل الحريري… مفارقة اخرى لا تحتمل التأويل.
اما في تبني هذه الحركات التكفيرية في سوريا للعمليات الانتحارية، ما يستحق التوقف اكثر: تمارس السلطات السورية منذ العام 2003 سياسة فتح الابواب أمام الحركات التكفيرية، تسمح لهم بالقدوم من كل الدول الإسلامية الى دمشق، ومنها عبر الشقق الآمنة في المناطق المجاورة للعراق في البوكمال وغيرها، يمرون بسياراتهم الانتحارية الى بغداد، حتى وصل الامر بالقوات الاميركية الى تنفيذ مهمة كومندوس في البوكمال وقتل أحد قادة هؤلاء التكفيريين، ولا تتوقف عن هذا الدعم فترسل الى نهر البارد فريقاً من هؤلاء، يسلمه حلفاؤها الفلسطينيون المخيم على طبق من فضة، كي يشكل قاعدة لإقامة إمارة إسلامية بالشكل، تابعة بالفعل للنظام كون قياداتها مرتبطة عملياً بالمخابرات السورية، وتنحصر مهماتها، ويا للغرابة، بتفجير عين علق قبل يوم واحد من ذكرى 14 آذار.
في كل هذه الفصول سيناريو متشابه، غرف عمليات تنفذ، وواجهات تكفيرية تتبنى، وبعض هذه الواجهات تشارك في التنفيذ بعلم منها بطبيعة المهمة أو بدون علم، ويطمح استثمار هذا الكنز الثمين لتحقيق أهداف عدة دفعة واحدة: بالنسبة للنظام السوري فهو يريد بأي ثمن أن يقول للعالم إنه لا يواجه شعباً يريد الحرية، بل يحارب الإرهاب على الطريقة الاميركية، وأن معركته مع القاعدة هي نفسها المعركة التي تخوضها إدارة أوباما، وهو تكتيك مارسه كل من علي عبد الله صالح والقذافي ومبارك لاستجرار الدعم الدولي، اما بالنسبة لحلفاء الممانعة فإنهم يمارسون التضليل والتهديد والحرب النفسية على مؤيديهم، لتصوير أن القاعدة هي الوريث الطبيعي للنظام السوري، وعلى هذا لا بد من أن يستكمل المشهد بسيارات مفخخة في قلب دمشق، يقودها انتحاريون كالانتحاري الذي قاد شاحنة الميتسوبيتشي التي فجرت الحريري، فيصبح أبو عدس بطل التهديد بسطوة القاعدة في بيروت ودمشق، في الاولى عقاباً على إخراج قوات النظام من لبنان، وفي الثانية مشروعاً لعقاب للثورة السورية على إخراج النظام من سوريا.
صدق العماد الممانع ميشال عون بنسخته القديمة، حين وصف النظام السوري ومعه قوى الممانعة، بأنها كالإطفائي المهووس، تشعل الحرائق لتقبض ثمن إطفائها، وعندما جزم بأن "من يتستر على الأنظمة الدكتاتورية بحجة الخطر الأصولي، هو ساذج وأحمق".