#dfp #adsense

طرابلس… قلوب مليانة!

حجم الخط

لا نقبل أن تكون طرابلس صندوقة بريد لإرسال الرسائل من هنا وهناك.
ونرفض أن تتحوّل الفيحاء إلى ساحة لتصفية الحسابات المحلية والإقليمية، وتحويل الشباب الطرابلسي إلى حطب حريق في أتون الصراعات الخارجية!.
ما حصل في عاصمة الشمال مرفوض شكلاً وموضعاً، فعلاً وردة فعل، أمنياً وحزبياً، لأن الخطأ الواحد يمكن أن يجرّ إلى سلسلة أخطاء قد تُخرج الوضع برمته عن السيطرة… ولعل هذا ما تهدف إليه مخططات إشعال الفتنة في المدينة.

إن ما جرى في مدينة العلم والعلماء في الثماني والأربعين ساعة الماضية يعتبر بمثابة ناقوس الخطر للجميع: للدولة ولأجهزتها الأمنية، وللقوى السياسية وخاصة وزراء المدينة الخمسة، وللأطراف الحزبية والحركات الإسلامية على اختلاف تشكيلاتها واتجاهاتها، لأن أحداث اليومين الماضيين كشفت أن النار موجودة تحت الرماد، ومن السهل تحريكها وتظهيرها وإطلاق الشرارات التي يُراد بها تأديب الفيحاء وأهلها المؤمنين، والمتحمسين لقضايا الأمة، وخاصة لإخوانهم في سوريا.

* * *
ليست مسألة رمانة… بل هي قلوب مليانة!.
نعم… الاعتقال الملتبس لأحد شباب الحركة السلفية كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وأطلقت العنان لردود الفعل التي تجاوزت الخطوط الحمر، واتخذ بعضها طابع العشوائية المفرطة.

في الأساس، لا يقبل أحد، وخاصة أهل طرابلس الميامين أن يكون ثمة طرف حزبي أو سياسي، مهما كان شأنه، فوق القانون.
ولكن بالمقابل، فان تطبيق القانون له أصول وقواعد لا يجب أن تغيب عن بال المسؤولين من سياسيين وأمنيين، إلى جانب أن تطبيق القانون يجب أن يتم على الجميع على قاعدة العدالة والمساواة بين المواطنين، على اختلاف ميولهم السياسية، واتجاهاتهم الحزبية.

وإذا كان ثمة حرص حقيقي لدى الدولة اللبنانية بمنع تحويل البلد ممراً أو مقراً للتدخلات في الأزمة السورية، فمثل هذا الحرص يجب أن يطبّق على معارضي النظام وعلى أنصاره أيضاً.

وأهل الشمال، وخاصة أبناء طرابلس وقياداتها السياسية والروحية، من مؤيدي عدم استعمال الأراضي اللبنانية في الأحداث السورية، سواء من المعارضين أم من جماعة النظام، من دون أن يحول هذا المبدأ الواضح دون تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة للأخوة السوريين النازحين إلى داخل الحدود اللبنانية.
* * *
ليست رمانة… بل قلوب مليانة!.
لأن ثمة شعورا عاما في الفيحاء خاصة، وعند أهل الشمال عامة، بالظلم والإهمال الذي تمارسه الدولة، أجهزة أمنية ومؤسسات عامة ضد أبناء المدينة وجوارها، سواء بالنسبة لحرمانهم من حقوقهم بالمواطنة الصحيحة والعادلة، عبر استبعادهم عن الوظائف العامة، حتى بالنسبة للإدارات والمؤسسات التربوية والجامعية الموجودة في مناطقهم! فضلاً عن الغياب المزمن للدولة وخدماتها في المناطق الفقيرة، الى جانب حذف مفهوم «الإنماء» في التعاطي الرسمي مع منطقة تحوّل قرابة نصف سكانها للعيش تحت خط الفقر.

تفاءل الطرابلسيون خيراً، ومعهم كل أهل الشمال، عندما وجدوا خمسة وزراء من المدينة في الحكومة الميقاتية، التي اتخذت بعض القرارات الكبيرة لإطلاق ورشة إنمائية ناشطة في عاصمة الشمال وجوارها، ولكن القرارات بقيت حبراً على ورق، وسرعان ما تبخّرت أحلام إخراج المعرض الدولي من سباته العميق، أو إطلاق العمل في مطار القليعات.

ومما زاد من مشاعر الإحباط في نفوس الطرابلسيين، تلك الحملة الممنهجة التي تحاول تصوير المدينة وكأنها «قندهار» لبنان، وكأن لا سلطة للدولة فيها، وكأنها أسيرة أفواج الحركات الإسلامية المدججة بكل أنواع السلاح - كذا - وكأن الوضع في الفيحاء يقف على برميل بارود قابل للاشتعال عند اندلاع الشرارة الأولى بين باب التبانة وجبل محسن!.

* * *
طرابلس وقياداتها السياسية والروحية رفعت الغطاء عن المسلحين، وأدانت رفع السلاح بوجه الجيش الوطني، الذي يشكّل الشمال خزّانه البشري، ورفضوا إغراق المدينة في التصرفات العشوائية.
ولكن بالمقابل، لا بدّ للدولة، بأجهزتها القضائية والأمنية والإنمائية من أن تقوم بواجباتها تجاه الفيحاء خاصة، ومناطق الشمال عامة، وخاصة بإنهاء مسألة الموقوفين منذ بضع سنوات بتهمة الانتماء لحركات إسلامية مسلحة، ولم تتم إحالتهم إلى المحاكم المختصة، حتى ينال المذنب عقابه، ويعود البريء إلى أهله.

معالجة الوضع المتفجر في طرابلس لا يتم بوضع الجيش بمواجهة النّاس «الغلابى»، ولا عبر التسكين بحبات «أسبيرين».
المطلوب فتح ملف الفيحاء الإنمائي والاقتصادي والاجتماعي، وإطلاق ورشة مشاريع وخدمات تكون قادرة على تجفيف بؤر الجهل واليأس والتطرف، وطي صفحة البطالة المستفحلة بين الأجيال الشابة.

طرابلس مدينة العلم والعلماء، ستبقى منارة فكر وثقافة، وحاضنة حضارية للحياة الوطنية وعمادها العيش المشترك، وعاصمة حوار واعتدال وانفتاح على الآخر.
المهم بلسمة جراح الفيحاء، وإشعار أهلها الصابرين بأنهم مواطنون في وطنهم… وتعترف بحقوقهم دولتهم!.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل