#dfp #adsense

حرب “النسبيّة” على أهالي طرابلس

حجم الخط

عرفت الساحة اللبنانية، منذ انتهاء مفاعيل "حرب تمّوز"، أكثر من نموذج لما يجوز تسميته "حرباً أهلية ليوم واحد". يبقى أنّ ما حصل في طرابلس في اليومين الماضيين يمكنه أن يعدّ الأخطر على الإطلاق، فهو يقرأ بأبعاد ثلاثة:
فمن جهة، ثمّة "نظام أمنيّ جديد" آخذ في التشكّل، بحيث يأخذ الحمل بعض الشيء عن "حزب الله"، ويطيح منجزات أساسيّة حقّقها الإستقلاليّون عام 2005، واستفاد منها الجميع. فمن يتذكّر كيف كانت الحريّات والفضاءات العامّة والخاصّة تنتهك من قبل الأجهزة قبل انتفاضة الاستقلال، عليه أن يقف مجدّداً بوجه الكابوس.

وكما في السابق، كذلك اليوم، فإنّ غاية كل شبكة تؤسّس لـ"نظام أمنيّ" هو أن تبدو كما لو أنّها تحرّك الأوضاع من خلف الستار، وأن تظهر نفسها "فوق الجميع"، في حين أنّها متحيّزة تماماً على الصعيدين المذهبيّ والطائفي. كما في السابق أيضاً، فإنّ عين "النظام الأمنيّ" الآخذ في التبلور حاليّاً، هو معركة رئاسة الجمهوريّة المقبلة وبعدها قيادة الجيش، من ضمن معركة تقويض المؤسّسات الدستوريّة بعامّة.

من جهة ثانية، يراهن هذا "النظام الأمنيّ الجديد" على سحب البساط من تحت قوى الإعتدال، وبالذات في الطائفة السنيّة، متقاطعاً مع مناخات التحريض على الطائفة السنيّة بعامّة من موقع "تحالف الأقليّات"، ومقدّماً هديّة ثمينة للنظام البعثيّ الفئوي الدمويّ. وإذا كان "حزب الله" فيما مضى مواكباً للنظام الأمنيّ اللحوديّ، فإنّ النظام الأمنيّ الجديد سيكون مواكباً لـ"حزب الله"، وسيؤسس لمعادلة من قبيل: المناطق الشيعية يحكمها "حزب الله"، والمناطق غير الشيعية يخضعها "النظام الأمنيّ الجديد" ميدانياً لهيمنة "حزب الله" استراتيجياً، أو يدير الفوضى داخلها، معتمداً على الجيوب المحصّنة لـ"حزب الله" وحلفائه في هذه المناطق، ناهيك عن سياسات القضم العقاريّ المنظّمة، أي التي تعتمد على "سياسات سكّانية" منسّقة.


وثالثاً، يأتي انخراط "حزب الله" في سياسة تمكين هذا "النظام الأمنيّ الجديد" من بلورة نفسه، ومن تحقيق مراده في سحب البساط من تحت قوى الإعتدال، وترك الأرض تزحل شيئاًَ فشيئاً بإتجاه احتضان ظواهر أصوليّة متطرّفة لا تشبه إلا ثقافة "حزب الله" نفسه، أي التي تعيش معه في الزمن الإحيائيّ الغيبيّ إيّاه، وإن يكن على موقع نقيض.
وهذا تحقّق بشكل واضح في الكلمة الأخيرة لزعيم هذا الحزب.

فهو جدّد الحرب، من جانب واحد، على "تنظيم القاعدة". فـ"حزب الله" صار الآن يتبنّى أوصاف عتاة المحافظين الجدد في الغرب ويستعمل اللغة "الإسلاموفوبية" نفسها تحت شعار مواجهة تنظيم القاعدة، مقدّماً خدمة في الوقت نفسه لكل ما يمكن أن ينسب إلى هذا التنظيم. لأنّه يصوّره على أنّه المحرّك الأساسيّ للأحداث على الساحة السوريّة، ويظهر الآخرين كمنفعلين معه (الإخوان المسلمين) أو متواطئين معه (تيّار المستقبل)، هذا في حين يكمل زعيم "حزب الله" محاولته لجني الشيء ونقيضه في الحالة العراقية، فيهنئ نفسه من جهة على أفعال ما يسمّيه "المقاومة العراقية" (أي عملياً، وفقاً لمصطلحاته في مكان آخر، "تنظيم القاعدة) ومن جهة ثانية يهنئ الحكم الفئويّ المذهبيّ في بغداد بأنّه استطاع أن يستغلّ الإحتلال الأميركيّ لتسليم عاصمة العباسيين إلى نظام الملالي في إيران. وبعد ذلك يحدّثك عن المنطق!

لكن ما يقوم به هذا الحزب، من خلال خطاب زعيمه مؤخّراً، هو الجمع بين محاربة التطرّف داخل الطائفة السنية، ومحاربة الإعتدال داخل هذه الطائفة، وهذا في عرفنا أقصى حالات "الإسلاموفوبيا" أو "رهاب الإسلام". بهذا المعنى، نعم "حزب الله" يتجاوز الفتنة المذهبية، أي الفتنة بين حركة تمثّل هذا المذهب من المسلمين، جزئياً أو كلياً، في مقابل حركة تمثّل المذهب الآخر، جزئياً أو كلياً، إنّما من خلال إعتماد "الإسلاموفوبيا" وفقاً لنظرية "تحالف الأقليّات".

وإذا كان زعيم "حزب الله" يحارب التطرّف داخل الطائفة السنيّة بتقديمه على أنّه "تنظيم قاعدة"، فإنّه يحارب الإعتدال في الوقت نفسه، من خلال إشهاره "القانون النسبيّ" للإنتخابات، بشكل واضح وصريح، ضدّ "تيّار المستقبل" كما جاء في كلمته الأخيرة. أيّ أنّ السنّة، متطرّفين ومعتدلين مستهدفون بالتالي من قبل "حزب الله" و"النظام الأمنيّ الجديد"، إنّما هم مستهدفون بشكل مختلف في الحالتين، أي بشكل يعوّل على تنمية التطرّف وضرب الإعتدال. في المقابل، من يبقى من السنّة خارج هاتين الدائرتين، أي "سنّة 8 آذار"، يجوز إدخاله ضمن "تحالف الأقليّات"، بل لا يجدّ زعيم "حزب الله" سبباً لتبرير "قانون النسبية" أهمّ من تمثيل هذه الأقليّة بالتحديد!

لكن كل ما تقدّم، هو نصف الواقع. النصف الثاني: هو أزمة القوى المواجهة لـ"حزب الله" و"النظام الأمنيّ الجديد" في لبنان، وهذه أوّل محطّة لمعالجتها اليوم، النقاش الحقيقيّ، الصريح، في قانون انتخابات تشهره الحركة الإستقلاليّة في وجه "حرب النسبية". لهذا النقاش أن يبدأ الآن، ولا يمكن مصادرته مسبقاً، لكن المهم أن يفهم أطرافه بأنّ قانوناً انتخابياً غير تقليديّ، يدخله "حزب الله" على المعادلة اللبنانية للتعريض بها، كقانون النسبية، لا يمكن الردّ عليه إلا بقانون انتخابيّ غير تقليديّ مضاد. وإذا كان المأثور عن ماو تسي تونغ هو شعار "الجرأة على الكفاح، الجرأة على النصر"، فيمكن إعطاء تخريجة "استقلالية" لبنانية لشعار من قبيل "الجرأة على قانون الإنتخابات، جرأة على النصر".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل