#dfp #adsense

الجنرال الوكيل والثورة السورية

حجم الخط

يجسد الجنرال ميشال عون في خطابه السياسي نزعة عنصرية استعلائية وانعزالية في الآن نفسه، حيث تنضح تعبيراته وتوصيفاته عن الربيع العربي، الذي تقوم به شعوب المنطقة العربية وقد رأى كل ذي عينين هذه الحقيقة، بتوصيفات من قبيل العهر والفجر، وهو ما لا يمكن لسياسي عاقل أن يغامر بقوله، حتى في أكثر مجالسه سراً وأمانة، الأمر الذي يطرح السؤال عن سر اندفاعة الجنرال وتسرعه في الحكم العلني والقاسي على ثورات الربيع العربي؟.

لا شك بأن الجنرال، كسياسي يدعي أن له تجربة، بأن الثورات تأخذ وقتاً حتى تستقر على وضع معين، إذ لا يعني وصول أحزاب إسلامية إلى سدة الحكم تأسلم المنطقة، بقدر ما يعني مسألة شكلية، وهي أن الأحزاب الإسلامية، بفعل ظروف موضوعية، هي الأكثر تنظيماً في المرحلة التي أعقبت أنظمة حكم عمدت إلى تجفيف الحياة السياسية، وبالتالي فإن فوز الإسلاميين هو أمر طبيعي، وإن كان لا يعكس مزاجاً عاماً، وإن كان مرحلياً ومؤقتاً بالآن نفسه، لأن السلطة والشأن العام هما محرقة للكثير من الأفكار والرؤى والتعبيرات السياسية، حيث يتحول المثالي إلى واقعي ويفقد صفة القداسة.

الجنرال عون، صاحب الخطاب الارتجالي والسياسات الارتجالية والمزاجية، يدرك هذه القضية، كما يدرك حليفه حزب الله، الذي يمده بالمعطيات والتقديرات الصادرة عن المراكز التي يفتقدها الجنرال، هذه الحقيقة، غير أن جماعة حزب الله، الذين هللوا للثورات في البلاد العربية، كانوا يتوقعون وصول جماعات للحكم ذات رؤية إيرانية، على اعتبار أن المشروع الإيراني، وفق تصوراتهم، هو المشروع البديل للنظم الاستبدادية المعتدلة في سياساتها الخارجية، لكونه مشروعاً ممانعاً، وإن الثورات إنما قامت فقط ضد الاستكبار الأميركي والإسرائيلي، ولا دوافع داخلية لها.

عليه، فإن تصورات حزب الله عن الثورات العربية انحصرت في توقع أن تقوم الثورات في اليوم التالي برفع صور المرشد الخامنئي وحسن نصر الله بشكل أوتوماتيكي، ولما لم تفعل ذلك، وانخرطت في شؤونها الداخلية، فإذاً هي لم تكن ثورات، ولا القضايا التي قامت من أجلها والأهداف التي سعت لتحقيقها هي من نمط الثورات، بل هي نوع من الخطأ التاريخي الذي أوصل الإسلاميين إلى السلطة، وهذا هو الفجر والعهر بعينه.

في ظل ذلك، يبرز الجنرال عون، بوصفه قطباً سياسياً في محور الممانعة، الذي كشف أنه محور وظيفي هدفه ترسيخ حكم فئات ومحاور معينة وضمان سيطرتها على مستقبل المنطقة، وهنا يختطف الجنرال عون المسيحية، المقاومة فعلاً لا قولاً، وذات البعد التاريخي والحضاري المندمج في وسط البيئة المشرقية والمؤسس للكثير من قيمها وثقافتها، ليقصف من منبرها ثورات الربيع العربي المنحرفة عن المثال الإيراني.

ولعل الجنرال يدرك أنه يملك هامشاً من الأريحية والمرونة التي تتيحها له حالة الإدراك المستقر لدى الغالبية الشعبية في المنطقة بأن المسيحية هي من أهم حواضن الفكر والثورة في مصر وفلسطين ولبنان وسوريا أيضاً، وهي ليست في وارد أن تتحول إلى طرف في الصراع، وأن ثمة من يسعى إلى توظيف اسمها في ما يسمى "تحالف الأقليات"، الذي لم يكن لها فيه ناقة ولا جمل، ولن يكون لها فيه أي مكسب مستقبلي، ولا يمكن للمسيحية، بثقل تراثها التحرري ونضالاتها، القبول باستباحة الدم السوري لكي تضمن لها دوراً ومكانة في سياسات الشرق الأوسط.

علينا أن نعترف بالحقيقة، لقد توقعنا يوم تحالف الجنرال مع حزب الله أن يؤثر في فكر وممارسة هذا الأخير عبر تطعيم فقه حزب الله بثقافة التسامح والتآخي المسيحية وصولاً إلى الأفكار الحديثة عن الدولة والحرية، التي تشربها الجنرال على ما يعترف هو نفسه من المدارس الفرنسية والأميركية، غير أننا اكتشفنا بعد سنوات من التحالف العتيد أن الجنرال قد تحول إلى ملالي بعمة مخفية، والخطر أن يجر شارعه إلى حوزة فكره وممارساته، بعد أن تحول إلى وكيل لحزب الله وإيران في سياسة انعدام المسؤولية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل