كتب جورج شاهين في "الجمهورية":
طرحت إشكاليّة توقيف شادي مولوي على يد دورية من الأمن العام نقاشاً واسعاً على كلّ المستويات، فكاد أن يضيع ملفّ القضية التي أوقف بموجبها مولوي في شكلها ومضمونها،وانحصر البحث في انتمائه ومكان توقيفه. فماذا لو أوقف على يد قوّة من الجيش اللبناني أو فرع المعلومات؟. توقّفت المراجع الأمنية المعنية بالملفّ الأمني عموماً أمام سيل المواقف والتصريحات التي رافقت توقيف شادي المولوي على كلّ المستويات السياسية والإعلامية والحزبية كما الرسمية منها. فرصدت بقلق بالغ مدى الفرز المذهبي والسياسي المخيف، ما يهدّد في جوانب منه العمل الأمني في لبنان ويضعه على قاب قوسين أو أدنى من الأزمة القائمة على المستويات السياسية والحزبية وحتى الطائفية والمذهبية في البلاد.
وسألت المراجع عن أهمّية الجدل الذي قام حول العملية في شكلها ومضمونها وتوقيتها وموقعها قبل رصد تداعياتها؟. وما الفائدة منها، وما جناه المشاهدون من ثقافة سياسية وقضائية وأمنية قبل ان تتكشّف محتويات الملفّ الذي أوقف بموجبه مولوي وما يحويه من معلومات واتّهامات تتعدّى الحدود اللبنانية؟
وهكذا يضيف المصدر، لقد استهلك النقاش الدائر منذ ظهر يوم السبت الماضي عشرات الساعات من البثّ المباشر والحوارات السياسية على شاشات التلفزيون وأثير الإذاعات من دون أن يقدّم شيئاً سوى المزيد من التوتّر والاستنفار الذي تحكّم بمدينة طرابلس على مدى الأيّام الثلاثة الماضية قبل ان يقول القضاء كلمته في الملفّ ومحتوياته.
ويضيف: الأخطر يكمن في ما كرّسته هذه المناقشات من مواقف معلّبة على ضفّتي الانقسام السياسي في البلاد. فتوسّعت رقعة المواقف وراحت بعيداً عن صلب الموضوع بالنسبة الى من انبرى – على العمياني كما يقال – منتقداً العملية بشراسة ما بعدها شراسة، أو من رحّب بها بكلّ "صدق وعفوية" وكأنّ أكثرية الناس من اللبنانيّين قد صدّقت الطرفين.
وفي الحالين فإنّ في الأفق ما يرفع من منسوب القلق على مستوى ما بلغته هشاشة الوضع في لبنان عندما يتغلّب التعصّب الأعمى على ما يمكن أن يقول به العقل والمنطق.
أسئلة مشروعة…
وعلى هذه الخلفيّات سألت المصادر المنتقدين والمرحّبين في آن:
هل كان من الضروريّ أن تؤدّي عملية التوقيف هذه الى سقوط عدد من القتلى والجرحى كما حصل في عمليّات مماثلة في مناطق عدة من لبنان ليعترف البعض بأهمّيتها وحجمها؟
وهل من الضرورويّ التوقّف عند الجهاز الأمني الذي نفّذ العملية "وهويته الأمنية والسياسية" إن وجدت، قبل الوقوف على دوافعها والملفّ الذي استند اليه من اتّخذ القرار بتنفيذها؟
وماذا كان سيحصل لو نُفّذت العملية على يد قوّة أخرى من الأجهزة الأمنية اللبنانية التي تتساوى في أهمّيتها ودورها على المستوى الأمني والوطني؟
وهل لو أوقف مولوي على حاجز للجيش اللبناني في أيّ مكان من لبنان مثلاً، أو على يد دوريّة من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي لاكتسبت العملية إطاراً آخر غير الذي اكتسبته بالأمس؟
ومهما حصل، فهل يمكن لوزير أن يدّعي على جهاز أمنيّ لبناني بتهمة "خرق حرمة" مركز تابع له قبل معرفة حجم العمليّة وأهمّيتها والحاجة الى تنفيذها بأقل الخسائر الممكنة وبـ"أيد نظيفة" كما يقال في "العقل الأمني".
… وبلا أجوبة
قبل طرح المزيد من الأسئلة، هناك قناعة لدى طارحيها والسامعين في آن، بأنّها ستبقى أسئلة بلا أجوبة طالما إنّ البلاد دخلت ومنذ فترة غير قصيرة حالاً من "الكوما السياسية" التي بات فيها التصنيف المذهبيّ شاملاً كاملاً على كافّة المستويات، ما سيؤدّي حتماً الى انهيار المساعي المبذولة على قاعدة قيام المؤسّسات بعملها.
فبالأمس كان دور الجيش عندما أوقف أحد مشايخ طرابلس، وقبلها كان دور فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي عندما أوقف شخصاً جنوبيّاً اتّهم بالعمالة لإسرائيل قبل أن تثبت براءته فأفرج عنه سالماً، وما بينهما كانت العملية التي نفّذتها الشرطة القضائية في بعلبك فاتّهمت بتنفيذ "مجزرة عائلية" في المدينة على خلفية مقتل رجل ارتكب ما ارتكبه من المخالفات وهو مطارد بعشرات مذكّرات التوقيف، وهو لا يتجوّل إلّا برفقة زوجته وحماته وبناته ليتحوّلن إلى دروع بشريّة توفّر الحماية له.
على هذه القاعدة، لم تشأ المصادر الأمنية التوغّل في البحث عن خفايا عملية طرابلس ودوافعها، بانتظار أن يقول القضاء كلمته الأخيرة فيها بعدما بات المتّهم في عهدته.
ولكن هناك قناعة توازي في أهمّيتها هذه النظرية وهي تقول إنّ البلد ممسوك أمنيّا وليس متماسكاً، والفرق شاسع بين الأمرين. والأخطر من ذلك عندما تتمذهب الأجهزة الأمنية فلا نتطلع اليها على انّها لحماية أمننا والمجتمع وسط سعي لتحويلها لحماية الطوائف والمذاهب، والله أعلم الى أين ستقود هذه النظرية البلاد والعباد؟