طرابلس التحدي السوري وملف الأجهزة
تـعـثُّر داخلي إضافي يثقل على الحكومة
قد يكون اسهل على الحكومة اللبنانية استيعاب حوادث طرابلس التي عطفتها كل وسائل الاعلام المحلية والخارجية على امتداد الازمة السورية الى لبنان نظرا الى ان كل المخاوف المحلية والخارجية التي سادت منذ انطلاق الانتفاضة الشعبية في سوريا قبل سنة وشهرين تمحورت على امكان ان يتأثر لبنان بتداعيات ما يحصل هناك. وهذه المخاوف استندت الى مجموعة اعتبارات بعضها يتصل بواقع التداخل بين البلدين على اكثر من صعيد خصوصا ان الوصاية السورية المزمنة على لبنان مكنت النظام من وسائل نفوذ وحلفاء فاعلين وبعضها الآخر بالاقتناع بأن النظام ربما يفجر الوضع في لبنان سعيا الى تخفيف الضغط عليه من الداخل وكذلك الضغط الخارجي في استخدام لاوراق استعملها دوما في ابتزاز الدول العربية والغربية. وهذا التفسير الذي ربط الحوادث الامنية في طرابلس، لا سيما منها تلك التي تفجرت بين بعل محسن وباب التبانة، بالحوادث السورية بين مؤيدي النظام ومعارضيه ينطوي على جزء كبير من الحقيقة تخفيفا عن كاهل الحكومة، خصوصا ان هذه الاخيرة استطاعت ان تحصل على تعاطف خارجي نتيجة ما سمي بسياسة النأي بالنفس عن الازمة السورية ومحاولة تحييد لبنان عن تأثيراتها. ويحصل لبنان او حكومته ومسؤوليه الكبار على تعاطف مستمر في ظل سريان انباء ومعطيات عن ضغوط يمارسها النظام السوري مباشرة او بالواسطة على المسؤولين اللبنانيين وحرصه على ابراز هذا المعطى في تعاطيه مع لبنان لا سيما ما ظهر في الآونة الاخيرة على لسان وزير الخارجية في مجلس الوزراء، اذ ابلغ هذا الاخير الى مجلس الوزراء استياء شخصية سورية رفيعة من الحكومة اللبنانية ومن مآخذ للنظام على الحكومة، وتبين على الاثر وبعد التدقيق ان هذه الشخصية الرفيعة هو رستم غزالي المسؤول الامني السوري الاخير الذي سيطر على القرار السياسي اللبناني من عنجر، في حين انه كان ساد الاعتقاد ان وزير الخارجية ينقل انطباعات نظيره السوري نتيجة التواصل والتنسيق معه. وان ينقل وزير الخارجية هذه الرسالة الى الحكومة، علما ان هناك سفيرا لدمشق في لبنان ومسؤولا آخر هو الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني السوري يتولى مهمات من هذا النوع، شكل مؤشرا على محاولة النظام السوري افهام لبنان رسائل اقوى لهجة عبر وزراء في الحكومة يتكاملون مع النظام وقراره السياسي.
اما مفاعيل التعاطف الخارجي فهي مع لبنان ككل في هذا الاطار وليس مع الحكومة تحديدا للادراك ان جزءا من الحكومة يمارس الضغط ضد جزء آخر منها، في مشهد بدا غريبا ومشوشا للمتابعين الداخليين والخارجيين، في حين ان الكلام عن عقوبات اضافية ضد النظام السوري بفعل ممارساته ضد شعبه في الداخل تقرن غالبا بتصريحات او مواقف تربط استمرار محاولاته الحاق لبنان به بالضغط عليه على رغم خروج قواته العسكرية من لبنان.
إلا ان التحدي الاهم بالنسبة الى الحكومة يتمثل وفق مصادر معنية في جملة امور قد يكون ابرزها تحرك جهاز امني بطريقة يخشى ان يكون تسبب عبرها في اثارة ما اثاره على الارض من احداث امنية. فما قام به، وفق هذه المصادر، وضع رئيس الحكومة والوزراء في احراج كبير لا بل انهكهم بحيث اضطروا جميعهم الى ابداء ملاحظاتهم وعدم امكان الصمت على تصرف خارج عن المألوف في مهمة هذا الجهاز الامني. ومع ان البعض اعتبر ان رد فعل رئيس الحكومة والوزراء كان في جزء كبير منه لاستيعاب التداعيات التي حصلت خصوصا ان الفتنة باتت على ابواب طرابلس نتيجة ما حصل، الا انه يثبت مرة اخرى تشرذم الاجهزة الامنية بحيث تبدو كل منها جمهورية مستقلة تعود مرجعيتها لطائفة وتمارس سلطاتها بمعزل عن اي تنسيق او عن اي مراجعة سياسية. وهذا يترك الحكومة امام تحد لسلطاتها السياسية بحيث كان ينقص الحكومة الحوادث الامنية في طرابلس من اجل ان تزيد تعثرها الداخلي تعثرا اضافيا في استقلالية الاجهزة الامنية، كما تركها امام تمزق سياسي اضافي في داخلها. اذ فيما ابدى رئيس الحكومة ووزراء الداخلية والمال والنائب جنبلاط مواقف تدين تجاوز الجهاز الامني في عملية الاعتقال التي حصلت وفجرت الوضع في طرابلس، انبرى وزراء ونواب في 8 آذار للدفاع عما حصل على نحو يضع الحكومة امام مفترق خلافي اكبر من الحاصل حتى الآن ويمكن ان يساهم في صب الزيت على النار في ظل الانقسامات الافقية والعمودية القائمة على الصعيد السياسي.
والتحدي الآخر هو ان واقع الخطورة الذي تتسم به هذه الحوادث لا يعود بالفائدة او بالمكاسب على اي فريق سياسي او سواه، بل على العكس من ذلك، اذ ان الجميع خاسرون كيفما سيقت الاتهامات او حُمّلت المسؤوليات، باعتبار ان طرابلس كرة ملتهبة ومن الخطورة العبث بها خصوصا في ظل حساسية متزايدة تحتمها التطورات المأسوية في سوريا ما لم يكن وراء الاكمة ما ورءاها.