#adsense

عرسال القصيّة تعيش بقوة غريزة البقاء

حجم الخط

عرسال القصيّة تعيش بقوة غريزة البقاء
الولاء لرفيق الحريري بعدما غذّت الأحزاب

على سفوح السلسلة الشرقية آخر قضاء بعلبك قبل الهرمل تنبسط عرسال في ما يشبه وادياً. بلدة رمادية يلوح للناظر إليها أنها تعيش من لا شيء.

في الطريق من بعلبك إلى اللبوة، على أوتوستراد حديث بطول نحو 30 كيلومتراً، ترافق العابر لافتات معدنية زرقاء كُتب عليها "الشعب الإيراني في خدمة الشعب اللبناني". من اللبوة إلى عرسال يختلف المشهد، والعابر يدخل مداراً آخر. تغيب لافتات إيران والشعارات التي تبجّل "حزب الله" وحركة "أمل" ورموزهما في لبنان وإيران، لتحضر صور الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشعارات "تيار المستقبل".

لا تختلف عرسال اجتماعياً عن البلدات والقرى المحيطة بها، فمظاهر رقة الحال تنتشر في كل أمكنتها وأزقتها الضيقة. في أقصى الجمهورية شرقاً يتدبر عشرات آلاف المواطنين اللقمة بقوة غريزة البقاء. المقيمون هناك، "العراسلة" كما يسمونهم في المنطقة، يعيشون عادة من فارق الأسعار بين لبنان وسوريا، من حجر بلدتهم الصخري الذي لا تُضاهى جودته، لذا تنتشر المقالع فيها وعلى تخومها وتنشر في الهواء غباراً أقرب إلى غبار الصحارى. وثمة مداخيل لبعض السكان توفرها أشجار كرز لا تحتاج إلى مياه كثيرة لتنمو وتثمر، فعرسال رغم ارتفاعها وموقعها أسفل جبال تتراكم عليها الثلوج، لا يحفظ ترابها مياهاً ولا تتفجر منه ينابيع تكفي زراعات واسعة. وثمة من يمتلكون قطعان ماشية، وكثيرون من البلدة يعملون في الدولة وأجهزتها.

يلفت النظر انبساط العمار أفقياً على التلال، في عرسال وحولها في كل اتجاه، وورش كأنها نبتت للتو، من طبقة أو طبقتين بأحجار خفان وأعمدة إسمنت، من دون تمليس أو تلبيس بالحجر العرسالي الشهير، فيستنتج الناظر أن أعمال البناء في الأرض الرخيصة أسعارها مقارنة بغيرها في مناطق أخرى لا تكلّف مقداراً كبيراً . يجمع العرسالي مبلغاً أياً يكن وتبدأ الورشة وليس ضرورياً أن تكتمل، فالكمال لله.

في غياب البيوت الفخمة والفيلات، إلا في ما ندر، تصمد في البلدة النائية على الأرجح العلاقات بين أبنائها، أبناء الطبقة الاجتماعية الواحدة. وهذه من عوامل قوتهم يواجهون بها التحديات في بيئتهم القاسية من كل مناحيها.

لا يحتاج المرء إلى تحليل ليتضح له خط عام يسير عليه أبناء عرسال. خط تقليدي لِلُبنانيين مُسلمين سُنة يشعرون ويعتقدون بأن قادتهم في لبنان والعالم العربي اغتيلوا تباعاً بتآمر عليهم لإضعافهم: الرئيس رفيق الحريري في الطليعة، فالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وحتى الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

ويظل الرئيس رفيق الحريري لأبناء عرسال الزعيم الذي يمحضونه الولاء حتى بعد اغتياله. يروي أحدهم، شاب تلقى أعلى العلوم في جامعة عريقة بمدينة ليون الفرنسية، أن "مؤسسة رفيق الحريري" تولت كل أقساط الجامعة والإقامة هناك حتى تخرجه. كثيرون مثله خدمهم الحريري الأب في شكل أو آخر وحفظوا له الجميل بعد خبرات غير إيجابية عاشوها مع أحزاب، لا سيما خلال الحرب الأهلية.

في السياق، يروي مسؤول سابق عن الجناح العسكري في حزب يساري، أن عرسال قدمت إلى حزبه "مئة شهيد وأكثر". وكل الأحزاب اليسارية و"الوطنية" بلغة تلك الأيام، غذَت تشكيلاتها المقاتلة بالعراسلة الأشداء. وفي روايات أطراف شاركوا في أحداث 7 ايار 2008 في بيروت أن وحدهم أبناء عرسال المنتمين إلى "المستقبل" قاوموا جدياً وبشراسة ميليشيات "حزب الله" و"أمل".

لكن علامات عتب لا تعب، تظهر على الوجوه مع أمارات صعوبة الحياة في عرسال. عندما زارها وفد الأمانة العامة لقوى 14 آذار ونواب البقاعين الأوسط والغربي الأحد الماضي كانوا يتوقعون تلقي مطالب معيشية وأسئلة عن وعود تنموية لم تتحقق، لكنهم فوجئوا بمطالب سياسية (من خلال رئيس البلدية علي الحجيري): "كيف تستمرون في قبول بقاء هذه الحكومة ونحن الأكثرية الحقيقية؟ لا نريد لأنفسنا شيئاً. إذا ظلت الدولة نائية بنفسها لا تدافع عنا ونحن نتلقى الاعتداءات والإصابات، فلتبتعد من دربنا على الأقل وسندافع عن أنفسنا".

المصدر:
النهار

خبر عاجل