أثارت زيارة السفير الايراني لراشيا السبت الماضي، ردود افعال شعبية وسياسية مستنكرة، نظراً الى ما حملته من رسائل لا توحي بالاطمئنان أولاً، ولوقوعها في لحظة سياسية غير عادية على المستويين المحلي والاقليمي وتحديداً السوري ثانياً.
فـ"الطاقة" او "النافذة" التي سمحت بتسلل السفير الايراني غضنفر ركن ابادي الى معقل من معاقل الزعيم الوطني وليد جنبلاط، أكدت النهج الذي حكم ويحكم تعاطي ايران مع الواقع اللبناني عبر سفيرها. وفي هذا الاطار، تذكّر مصادر متابعة بسيناريوات ايرانية مشابهة في الجبل والشمال وغيرها. فالسيناريو ذاته يتكرر، ودائما، من خلال ارتكاز السفير الايراني في قيادته عمليات التسلل المنظمة على حلفاء النظام السوري، جاعلاً منهم منصة لاختراق مناطق كانت وما زالت عصية على ذراعه الامنية في لبنان، "حزب الله". فعجز الحزب عن التمدد في مناطق ذات طبيعة ديمغرافية مختلفة، يلتزم اهلها خيارات سياسية واضحة مناقضة للمشروع الايراني- السوري، دفع الى متابعة السفارة الايرانية برنامجاً صيغت بنوده في غرفة امنية "سورية حزب إلهية" مشتركة، يقضي في جانب منه، استغلال لافتة الخدمات وإغداق الاموال على الحلفاء في تلك المناطق للنفاذ من خلالهم الى ما هو ابعد في السياسة والامن.
والابعد من اللافتة الخدماتية المشكوك بصدقيتها – برأي المصادر عينها، هو محاولة مثلث ايران – نظام بشار الاسد وحزب الله، حصار ومن ثم معاقبة رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط في هذه اللحظة الاستثنائية من تاريخ لبنان والمنطقة، من خلال انتاج شروخ داخل معقله في الجبل او راشيا، بعدما نجح المثلث المذكور والى حين، في انتاج بؤر امنية متنوعة الاختصاصات في طرابلس وبيروت ومناطق بقاعية عدة فضلا عن كسروان وجبل لبنان وغيرها من المناطق، وقد لمسنا في الآونة الاخيرة نتائج بعض ما ابدعته تلك البؤر. ولكن هل مرت زيارة ابادي على ما اشتهى وصحبه؟ في الوقائع، تجيب المصادر، أن الحفل الذي اقيم تحت لافتة وضع حجر اساس لمركز قيل انه اجتماعي يحمل اسم النائب السابق فيصل الداود، جاء باهتاً من حيث الحضور الراشاني. فجمهور راشيا ووادي التيم ومعه البقاع الغربي لم"يبلع" الفيلم الايراني. فأتت المقاطعة المحلية تعبيراً صارخاً عن رفض الشارع الشعبي في المنطقة لمخطط خبيث يحاكي أهدافاً مماثلة لـ"حجر اساس" سبق ونقله السفير ابادي على كاهل حليفه الوزير السابق وئام وهاب الى منطقة الجبل. وهذه المقاطعة المتوقعة مسبقاً، دفعت بـ"حزب الله" الى بذل جهد كبير لاستجلاب جمهور افتراضي من خارج المنطقة لشد عصب حليفه، وللايحاء للسفير الايراني ومن خلفه النظام السوري بقدرته على تحقيق الخرق الموعود. وعلى الرغم من تلك الجهود فان عدد المشاركين لم يتجاوز الخمسمائة وفدوا بمواكب تابعة لـ"حزب الله" وحلفائه من خارج راشيا.
لكن ردّ الشارع الراشاني ومعه البقاع الغربي لم يتأخر، اذ احتشد الآلاف يوم امس، في اليوم التالي لزيارة ابادي، احتفاء بتأسيس "الحزب التقدمي الاشتراكي"، حيث اقيم مهرجان كبير امام باحة "مركز كمال جنبلاط الثقافي الاجتماعي" رددت خلاله شعارات مناهضة للدور الايراني ومؤيدة للثورة السورية في وجه "القاتل ابن القاتل" على ما قال الوزير وائل ابو فاعور في معرض اجابته على تساؤلات البعض حول اندفاعة رئيس الحزب "التقدمي" النائب وليد جنبلاط نصرة للثورة السورية.
وسأل في كلمته امام حشد قدّر بعشرة آلاف شخص: "كيف تتوقعون منّا ان نكون مع الجلاد ضد الضحية، ومع القاتل ابن القاتل ضد القتيل، ومع الجزار ضد الشاة؟"، ليخلص في توصيف الموقف من النظام السوري الى "حتمية انتصار الشعب السوري على الجلاد طال به الانتظار ام قصر".
اما الرد الاعنف فوجهه ابو فاعور الى السفير الايراني مستهلاً بأمنية تجنّب منطقتنا التحول الى منطقة "نووية" واستطرد: "بعضهم طرق الابواب وهذا هو الجواب: انه مهما وضعتم من حجارة اساس، فوليد جنبلاط هو الاساس، ومهما استقدمتم من وفود زمانهم لن يعود ووصايتهم لن تعود وشخوصهم لن تعود حتى لو جلبوا معهم المفاعل، فجهدهم ليس بفاعل وهوية هذه المنطقة لا تصادر ولا تزور مهما جلبوا معهم من مشاريع وهمية، فراشيا ووادي التيم والبقاع حسمت خيارها الى جانب وليد جنبلاط، تحاولون استقدام السفراء فالشعب سفيرنا ووليد جنبلاط سفيرنا ورمزنا وعلمنا الذي نرفعه بمواجهة الظلم"، وختم:" تريدون التحدي نحن نريد التحدي".
مفاعيل الزيارة لم تنته هنا، لانها "تخفي خلفها الكثير من الاهداف الامنية" على ما قال قيادي من قوى الرابع عشر من آذار. وأبدى تخوفه من "اصرار النظام السوري على اجتراع خطط تهدف الى زعزعة الاستقرار في المناطق اللبنانية كافة لحرف الانظار عمّا يجري في الداخل السوري اولاً، ولالغاء مناهضي النظام السوري في لبنان ثانياً.
وحذّر من ان "الفشل الذريع الذي منيت به الزيارة، قد يدفع بأصحابها الى الشروع بافتعال مشكلات امنية هنا وهناك، وتحديداً في البلدات والقرى المتاخمة للحدود اللبنانية ـ السورية جهة راشيا، بعد ان مهد لذلك بتوتير الاجواء السياسية عبر زيارة ابادي الى المنطقة تمهيداً لما هو أسوأ".
وأعرب عن ثقته بقدرة الاهالي "على افشال ما يحاك ضد امنهم واستقرارهم"، واشار الى مستوى المشاركة في مهرجان "التقدمي" والذي تمثل بحضور قادة قوى الرابع عشر من آذار في المنطقة وفي مقدمهم نوابها، وشخصياتها المستقلة وفعالياتها الروحية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتربوية التي تمثل النسيج الاجتماعي برمته، ما يستحيل معه مرور "نسمة صفراء" في اجواء راشيا من دون إذن وليد جنبلاط، "لأن من يدخل من النافذة، لن يجد سبيلاً للخروج الا منها، ولمرة واحدة فقط"، ختم القيادي في 14 آذار.