منذ قامت «إيران الخميني» والدول العربيّة لم تبدِ اكتراثاً حقيقياً في مواجهة عملية التمهيد للسيطرة على العالم العربي عبر عمليّة أسمتها إيران «تصدير الثورة»، ومن دون أدنى شكّ وبصبرٍ وأناة تستحقّ الاعجاب حاكت إيران «سجّادة» مدّ سيطرتها على العالم العربي، وبدأتها من المملكة العربية السعوديّة عبر تعكير ركن عبادة الحجّ ، ولم تكترث لإراقة الدماء في الحرم المكي الشريف، ومن تفجيرات الكويت ومحاولة اغتيال أميرها الراحل وعبر ذراعها اللبناني الذي انتقل من حمل السلاح الفلسطيني وحماية أبو عمّار، إلى الارتماء في حضن مالي جديد فسطع نجم عماد مغنية بطل تفجيرات الكويت الإرهابية واختطاف الطائرات، ومع هذا لم تتحرّك الدول العربيّة بشكل جديّ في مواجهة المخطط الإيراني، الذي إن زعمت حكومات هذه الدول جهلها به، ستكون وزر جريمتها أكبر بكثير من وزر ما تفعله إيران في العالم العربي!!
تجاهل العرب لبنان طويلاً، وجاء تصريح الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي على هامش قمّة «الاتحاد الخليجي» الذي يأتي متأخراً جداً، وميئوس من فعاليته ونجاحه أيضاً، ليؤكد أنّ الأسلوب الذي تعاملت به الدول العربية في كلّ قممها الطارئة والعاديّة وخضعت فيها لإملاءات الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على حساب لبنان وشعبه، تتكرّر وعلى نفس النمط الذي لا يُسفر إلا عن كلام «مجرّد كلام» لا يحمي شعباً ولا يُنقذ طفلاً، ولا يحمي العرب أنفسهم من الخطر المحدق بهم، ولنا في تجربة العرب في الانكفاء عن القضيّة العراقيّة وتركهم صدّام حسين ليُسْقط برعونته العراق في المخلب الفارسي خير دليل على ذلك!!
وفي مواجهة المخلب السوري الذي يستعد لغرس «مخلب عليّ وعلى أعدائي» في الجسد اللبناني مجدداً من بوابة مدينة طرابلس، لم نسمع إلا «مجرّد كلام» لوزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ذكّرنا بتصريحات سمعناها طوال عشرين عاماً، منذ ترك العرب لبنان بين براثن «ذئب» الوطن الفلسطيني البديل، وما كان ممنوعاً في الأردن أصبح مسموحاً في لبنان!!
انكفأت السعودية عن الاهتمام بلبنان وتركت لدولة قطر أن تتقدّم في مؤتمر الدوحة، فاستفاد حزب الله من قطر تمويلاً ودعماً لا لشيء إلا نكاية بالمملكة العربية السعوديّة، ودفع اللبنانيون ثمن المغازلة السعودية ـ السورية وفكّ الحصار عن نظام الرئيس السوري حكومة يسيطر عليها حزب الله ويعطلها حتى وصلنا إلى الانقلاب على لبنان وأصبح رمز الرئاسة الثالثة والطائفة السُنيّة «طرطوراً» يُعينه أمين عام حزب الله نيابة عن رئيس النظام في سوريا لينوب عنه في مزاولة الوصايتيْن الإيرانية والسورية على لبنان، ويدفع الشعب السوري ثمن غيبوبة دول الخليج ـ التي لا يبدو أنها ستستيقظ من غيبوبتها ـ التي اكتشفت أن الثعلب الإيراني أصبح في عقر دارها في البحرين والكويت والقطيف ومصر بعدما مكّن لنفسه في لبنان وسوريا حدوداً استراتيجيّة مع إسرائيل تفرض على دول العالم الاعتراف به قوّة عظمى!!
«من جدّ وجد»، قدّمت إيران الكثير منذ العام 1982 لمشروعها في لبنان وفي العراق وفي سوريا، والأردن المحاصر بسوريا والعراق لا يحميه ضمّه إلى مجلس التعاون الخليجي، وباتت متأخرة جداً حماية البحرين من سطوة الشيعة العجم الذين استوطنوها وحملوا جنسيتها، ونفس الاستراتيجيّة قد تقلب الموازين في لبنان، فلا أحد حتى الساعة يعلم ما إذا كان جماعة حزب الله يحملون الجنسية الإيرانية أم لا، ما داموا يدينون بالولاء التام لدولة فتحت ميزانية خاصة لحزبها على مدى ثلاثين عاماً لتصل إلى مبتغاها وموّلت الإعلام والقنوات التلفزيونيّة والبنية الإجتماعية فامتلكت زمام طائفة بأكملها، فيما تعاملت الدول العربية بالقطّارة مع الدولة اللبنانية، ومع أبناء الطائفة السُنيّة الذين اكتشفوا في 7 أيار العام 2008 أن العرب لم يقدّموا لهم سوى الدعم الكلامي لا أكثر!!
نفس السياسة يكررها العجز العربي في سوريا التي تواجه فيها إيران بضراوة لحماية الهلال الشيعي الذي خططت لوصل قطعه بحرفية عالية، العرب عاجزون والعالم لا يعترف ولا يفاوض إلا الأقوياء، والثروات التي أساء العرب استخدامها لصنع تقدّمهم وحماية دولهم فتركوها تسقط الواحدة تلو الأخرى في القبضة الإيرانية باتوا اليوم عاجزين عن حماية دولهم في عمق أراضيهم!!
من يقرأ تاريخ العرب يُدرك أن لا رجاء منهم، وأنهم لطالما كانوا منشغلون عن القضايا الكبرى بنظم الشعر واستعراض الخيول وسماع المغنيات في كلّ اللحظات الخطيرة عبر التاريخ، ولأن هذا التاريخ يعيد نفسه وإن بصور مغايرة، فيقرّر الفرس أن يثأروا للقادسية من العراق، أو أن يكرروا تجربة «القرامطة» في البحرين، لا ثقة بحسن رؤية العرب وحكمتهم في حماية المنطقة العربية من المخطط الفارسي ـ الصهيوني، ولكنّ الثقة في الصادق الأمين نبيّ هذه الأمّة ودعائه على كسرى: «اللهمّ مزّق ملكه»، لذا لن يلتئم ويستقيم ملك «أحفاد كسرى» في لبنان أو إيران أو العراق أو البحرين أو السعوديّة، فلن يمكّن الله لهم في أرض العرب ولن يُثبّت الله دعائم ملك دعا نبيّه عليه أن يتمزّق، والاتكال على الله ورسوله، لا على الذين انشغلوا وشغلوا الأمّة ثلاثين عاماً في الإفتاء بزواج المسيار والفرندة وعدم حاجة المرأة إلى ثقبين في نقاب لترى بعينين اثنتين فاستقرت فتواهم على ضرورة اكتفائها بثقب واحد لعين واحدة، وربما كفايتها التنفس بثقب واحد في الأنف لاحقاً!!