#adsense

يا بطريرك القلوب (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط


(تصوير ألدو أيوب)


في مراحل العمر المتقدّمة، يقف الزمن ويتأمّل الهيكل الذي يحمل الروح، فاما أن يشيح بنظره خائبا، واما أن يبتسم ويعلن فخره. اثنان وتسعون عاما وما زال في عز العنفوان والصبا. ماذا يقول الزمن لرجل مماثل؟ بماذا يخاطب البطريرك صفير وهو مقبل على المزيد من التألق؟

يحمل الرجل اثنين وتسعين عاما، اذا ما حسبنا الاعوام بالارقام، أقل بكثير بكثير اذا ما حسبنا الاعوام بحسب ما نشتهي ونريد، والاف الاعوام بحجم حكمة الرجل الاستثنائي الذي غيّر مجرى الاحداث في لبنان.

المشكلة، كيف نكتب بطريركا من هذا الطراز النادر؟ هل يمكن لكل الاقلام أن تفعل؟ كيف نتجنب التكرار اذا كانت المشاعر هي نفسها وكل يوم أعمق، تجاه من علّمنا فضيلة التسامح، وفضيلة الصراخ حين يكون الحق سلاحنا؟

هو يحب عدم الدخول في تفاصيل موجعة مرّ بها حين تعرّض لابشع الحملات. نسي وسامح وطوى الصفحة الى الابد. ونحن لا نريد أن ننبش القبور ولا هي سياستنا، لكن مذذاك التاريخ بدا انه بطريرك مختلف، مختلف تماما، لا تستهويه السلطة ولا يركن الى غريزة الانتقام، لكنه لا يتهاون حين يقرع الخطر باب المسيحيين وأسوار لبنان، وفعلها في ندائه الشهير في أيلول 2000 ، وزلزلت الارض من تحت أقدام اللبنانيين والاحتلال السوري أيضا. هُدد. اتُهم. حاولوا عزله، اقصاءه، تخوينه… وبقي هو هو، صامد كالجبال، حنون كالنسمة، قاطع مثل السيف، متواضع كالبنفسجة.

اثنان وتسعون عاما وبسمة صفاء تعلو الوجه المشرق. لا تجاعيد نافرة، لا تعابير متشنّجة، وجه يرتاح اليه كل متعب، كل مهموم، كل حائر وان بقي سؤال محيّر، كيف فعل لتبقى مساحة الصفاء فوق هالة الشيب المشعّة؟

سؤال لا يعرف الاجابة عنه الا هو وحده، أو من يقارب النفس الصافية النقية. هو باختصار ممتلىء بالعذراء مريم، بروح ابنها يسوع، ثائر التاريخ وكل الاجيال السابقة والآتية، هو مرتاح الضمير، كتب سطور الذهب في سجلّين أساسيين، البطريركية المارونية ولبنان. لم يخطئ، لم يساوم، لم يكره، لم يجامل، لم يتنازل، لم يحقد، ولم يتوان عن مواجهة كل خاطئ بحق لبنان والطائفة.

أنظر الى صوره، أستمع الى تصريحاته وخصوصا ذاك الذي أدلى به بعد تقديم استقالته. أشعر بالسخف، أخجل من نفسي وعن الكثير سواي، وخصوصا بعض المسيحيين، كيف لا نشكر الله كل ساعة على النعمة التي وضعها بيننا؟ كيف لم نقدّر تلك الهبة والدنيا من حولنا كانت كلها سوداء قاحلة؟ لم ننتبه كفاية الى ان الله لم يترك لبنان، ويد سيدة حريصا تمشح كل يوم هذه الارض بالنعمة. كان رسول السماء الينا لتخبرنا عبره، ان لبنان لا يزول ولا يُمّحى، وان الجحيم لن يقوى على المسيحيين وكنيستهم. هذا ما تحمله التعابير الصافية الهادئة، هي بركان من حب وعنفوان وحنان. هو ابن العشرين في الثانية والتسعين.

اغفر لنا سخفنا، وابق بيننا قدر المستطاع، ولا ترحل قبل أن ترى لبنان وديعة العذراء كما تحب أن تراه، وكما يجب أن يكون، وقبل أن يعود المسيحيون، كل المسيحيين، الى اصالتهم الى التفيء بعباءتك.

يا سيدنا انت بطريرك القلوب، والقلوب لا تحصي النبضات حسبها انها تحب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل