طوال نصف عقد من تاريخ فرنسا أقام في قصر الإليزيه ابن مهاجر مجري وزوجته الايطالية، العارضة والمغنية، التي صدر آخر "ألبوماتها" وهي في مرتبة الفرنسية الأولى. وما عادت الجذور والاصول والوصول ذات الشأن في أوروبا، منذ أن خسر أدولف هتلر حرب العرق الآري على سائر البشر. ثم حلّت بعينيه الزرقاوين الهزيمة الكبرى عندما بلغ البيت الابيض كيني أميركي المولد، أجعد الشعر مثل جومو كينياتا.
لم يهزم نيكولا ساركوزي بسبب دمه المجري بل بسبب ادائه الذي لم يرتق به الى رتبة الاسلاف. فالذي يقيم هنا، ملك لا رئيس. ديغوليا كان، مثل ديغول، ام اشتراكيا مثل فرنسوا ميتيران. في داخلها، تبحث فرنسا دائما عن ملك، لشدة ما ندمت على انهاء صيغة "الملك الشمس" كما الإله الشمس عند اليابانيين. ماذا فعل الملازم بونابرت في نهاية الثورة؟ أعلن نفسه امبراطورا لا ملكا، ووزع اخوته حكاما على اوروبا. وماذا فعلت جوزفين؟ لم تزدر الفقراء كما اتهمت النمسوية المسكينة ماري انطوانيت، بل ازدرت الامبراطور.
ليس العشق والعشق المضاد والعشق الموازي، مسألة وطنية في فرنسا. فأحجام القصور تولّد الشعور بالوحدة وبسهولة الاختفاء في وقت واحد. ولا طول القامات او قصرها. فهناك مقاسان كلاهما عملاق، الملازم بونابرت والبريغادييه شارل ديغول. القضية في الهامة لا في القامة.
لم يبدُ على المسيو ساركوزي مرة انه كان رئيس فرنسا. بدا كأنه لم يخرج من دار العمدة في نويي، حيث تختلط حداثة النعمة بسرعة الوصول. وتلك هي عقدة نويي منذ القرن التاسع عشر: مجرد مصيف لأهل باريس، لا تعرف كيف تندمج بأمجاد المدينة على حدودها.
شيء من الوقار يا صاحب الفخامة. لكن "ساركو" لم يجد تعود الوقار. ونسي، او حتى لم ينتبه، الى ان هذه أمة تموت بشيء يدعى "الكِبَر". ترجم كثيرون La Grandeur على انها "العظمة". لم يكن هذا ما عناه ديغول. ليس الحروب والمغامرات وخيانات بيتان، ماريشال الجمهورية. كان يعني ارثها العظيم الذي لا جدل حوله ولا خيانة ولا ضعف: فيكتور هوغو او باستور. جان – بول سارتر او قريبه ألبر شفايتزر. ألبر كامو او الأب بيار، حامل العشاء الى فقراء الارصفة في ليالي باريس.
فرنسا كبيرة لا عظيمة. هزمها خبثاء الانكليز واحتلها عتاة الالمان وغامر بكرامتها وجنودها المهووس الكورسيكي، الملازم بونابرت. ولكن لا أمة اخرى أعطت أربعة قرون من الشعر والفكر والأدب وجماليات العمران. في الاشياء الصغيرة، كان نيكولا ساركوزي يذكر بنابوليون: تركته زوجته الى رجل آخر فاعتقد ان المعركة هي حرب الذكورة. سارع يحمل العارضة الايطالية الذابلة العينين الى حديقة المراقصة وكأنه دارتنيان، فارس الملك. عندما تدخل شيئا كالاليزيه يجب ان تكون في مقاس الثوب. الوقار هنا فرض، لا خيار. يفترض في الرئيس ان يترك قمصانه المفرقعة وثيابه الفاقعة في خزانة العائلة. كان ونستون تشرشل كبير السياسيين الساخرين لكنه لم يشاهد مرة فاقعا من الضحك. لأن السخرية الذكية عبقرية والضحك الغبي غباوة. وأحيانا تماد في الغباوة.
مزقت مقال هذا الاسبوع مرتين، ولست واثقا من الثالثة. الاولى والثانية كانتا عن حال العرب، وقد خفت من تكرار الندب واستفحال اليأس. وعندما فكرت في الهرب الى الحدث الفرنسي، تساءلت، الا يزال قارئ "النهار" يهتم بشؤون فرنسا؟ ألم يتغير هو ايضاً؟ لقد ذهبت عام 1969 خلف ديغول، الى قرية سنيم، ايرلندا. فعلت ذلك بلا وعي وليس بفطنة مهنية. لكنني كنت واثقا من ان الناس في لبنان سوف تقرأ عن منفى ديغول بحماسة الحدث المحلي. اعتدت تغطية الحدث الفرنسي الذي بسببه انتقلت الى الصفحة الاولى في 10 ايار 1968، عندما انفجرت ثورة الطلاب تحت نافذتي في "الغاي لوساك". كانت تجربة مهنية رائعة، ومحنة شخصية، العياذ بالله.
لم يكن اللبنانيون وحدهم يهتمون بأحداث فرنسا. كان الفرنسيون ايضا يظهرون اهتماما خاصا بأن يكتب عنهم في لبنان. وكان الصحافي القادم من بيروت يعطى من وقت المرشحين ما يعطاه صحافي فرنسي آت من المقاطعات. وفي رعونة الجهلاء علا صوتي على سكرتيرة المرشح للرئاسة الاشتراكي غاستون دوفير (عمدة مرسيليا) لأنها تأخرت في ابلاغه ان صحافيا من "النهار" يريد مقابلته. الحكمة تنجم من تكرار الرعونات، يقول ساشا غيتري.
ليت الصحافي يكون في اواخر الاربعينات وهو في اواخر العشرينات. تدخل العصور مراحلها من دون استئذان. عندما اندفع نيكولا ساركوزي بكل جرأة نحو الاليزيه، كنت قد عايشت زمن الانبهار في فرنسا، منذ ذروته التاريخية: ديغول ثم بومبيدو ثم انحسار نحو جيسكار – ديستان فعودة الى التاريخ مع فرنسوا ميتيران، فوريث ديغولي آخر مع شيراك، فزمن ساركوزي، الذي قال في استقبال السفراء العرب المهنئين ان "اعظم انجاز في القرن العشرين كان قيام اسرائيل".
منذ الجمهورية الرابعة التي انهاها غي موليه عمليا في عدوان السويس، لم يسمع العرب اهانة فرنسية في هذا الحجم. كانت الفظاعة اشد لأن الرجل، حديث الوصول، نسي انه وريث الجمهورية الخامسة وشارل ديغول. ليس غريبا اذاً انه سقط بأصوات المقترعين العرب، عقدة المهاجر الذي ما ان يستوطن حتى يريد لنفسه وحدها البلد الذي تبناه.
"الكِبَر" في المفهوم الديغولي، ان تفتح فرنسا بوابة الاليزيه لابن مهاجر، ولكن ايضا ان يستحق وسام الوصول. لقد فتحت أكاديمية الكاردينال دو ريشوليو قناطرها امام الجزائرية آسيا جبار والمبهر أمين معلوف، آية الفرنكوفونية بعد ليوبولد سيدار سنغور. وماذا عن الارمني شارل ازنافور، صاحب اشجى الغناء منذ النبي داود، الذي "كان اذا غنى تفتقت له العذارى"، كما قال ابن الاثير.
مصر جاءها نابليون باللباس الامبراطوري ومعه مطبعة، تاركا جوزفين في البلاد. ومصر جاء الى آثارها فرنسوا ميتيران في الاسبوع الاخير من حياته، كما في قول المثل "شاهد البندقية ومت". صادفت كارلوس منعم في "ميريديان" ليماسول يوم كان رئيسا للارجنتين. شاهدته في ساحة الفندق بالشورت القصير وحلاقه خلفه. حجمه الطبيعي وصورته الطبيعية. يتعذب من يكثر قراءة التاريخ: هل هذا الرجل خليفة خوان دومينغو بيرون؟
يظلم المتألقون اولئك الذين يعقبونهم. ليندون جونسون بعد جون ف. كينيدي. اللايدي بيرد جونسون بعد جاكلين. جورج بوش بعد بيل كلينتون. هاري ترومان بعد فرانكلين ديلانو روزفلت. كونستانتين تشيرنينكو بعد يوري اندروبوف وقبل ميخائيل غورباتشيوف. كم بدا ساركوزي شبيها بكارلوس منعم، في زمن صار زمن المجتهدين والخلاقين: كارلوس سليم، كارلوس غصن.
ترددت كثيرا هذا الاربعاء: الا تزال فرنسا شأنا مهما هنا؟ ترفض فرنسا ان تفارقنا على رغم انحسارها وضمورنا. فقد تركت هنا مجموعة امانات ومزينَات: الدستور، الذي لا تزال دولة في حجم مصر تبحث عن صيغته، والجامعة اليسوعية، ركن اللغة العربية ومختبرها ومحميتها، وكلية الطب، والتنظيم المدني الذي طمرناه بأعمدة الاسمنت كما يفعل رجال المافيا في خصومهم. وايام الانتداب عينوا في الرئاسة انزه القضاة واوائل الحقوقيين. وعندما اعتقلوا رجال الاستقلال، اعادوهم بعد ايام، احياء، مكرمين، من دون "طعجة" في برنيطة الشيخ بشارة او في طربوش رياض.
تأملوا تركيبة هذا البلد الساحر، فهالهم اولئك اللاييكيون ان الشيعة خارج الاسرة الوطنية، لأن الاتراك ارادوا الانتقام من جبل عامل لأنه شيّع الصفويين، فسارعوا الى تصحيح الخلل.
لم يكن "كِبِر" فرنسا في استعماراتها المخزية وجموح الملازم بونابرت وخيانة فيليب بيتان. لذلك لم يُجلِس ديغول الى يمينه في مجلس الوزراء وزير الدفاع، بل وزير الثقافة اندريه مالرو. هل هناك وزارة في حجم مالرو؟
وماذا ترك لنا الفرنسيون ايضا؟ تركوا لغة يكتب بها جورج شحادة رقة الشعر، وفؤاد غبريال نفاع اشعة الشعر الحارقة، وناديا تويني حداء الشعر والوطن، وصلاح ستيتيه، الحاج الجمال، وفينوس غاتا خوري فصولا متتابعة من ملحمة الحزن والالهام.