#adsense

“المسألةالسنّية”: مشترك عراقي ـ سوري ـ لبناني خطير

حجم الخط

سوّقت فكرة "حلف الأقليات" لنفسها بصيغ إيديولوجية عدة: فمنهم من يبرّر لهذا الحلف "لاهوتياً" كما فعل العماد ميشال عون نفسه ذات يوم، بدمجه كربلاء بآلام المسيح، أو كما فعل محمود أحمدي نجاد في بنت جبيل، حين ذكّر بأن لهذا التحالف في الأقليات مهديا قائدا ومسيحا مساعدا. ومنهم من يزيّن لهذا الحلف بالصراع بين علم الظاهر وعلم الباطن، فيجعله تلاقي "أهل الباطن" من جميع الفئات بوجه "أهل الظاهر" من فئة واحدة. ومنهم من يستعين بالمقاربة الطبقية، فيجعله تحالفاً بين الطوائف الجبلية الفلاحية المقاتلة بوجه تجّار المدن السنّة. ومنهم من يكتفي باستعراض الديموغرافيا، فيقول إن مصلحة الأقليات المذهبية في التوحّد، إما لكي تصير الأقليات المؤتلفة هي الأكثرية العددية وإما للهيمنة وتشتيت الأكثرية العددية ان كانت من نسيج مذهبي سنّي واضح. ومنهم من يدعو إلى هذا التحالف على قاعدة اختصار تاريخ المنطقة بين مضطهِدين سنّة ومضطهَدين من جميع الملل والنحل. ومنهم في المقابل، من يحاول التعفّف عن "الغرائز"، فيناصر "تحالف الأقليات" انطلاقاً من "فلسفة تاريخ" عجيبة مفادها أنه لكل مرحلة مذهبها الطليعي، فإذا كان للجناح السنّي من الأمة حقّه في تصدّرها لمقارعة الامبريالية والصهيونية يوم كان الوهج لجمال عبد الناصر والمرحلة الناصرية (أو لصدام حسين)، فقد انتقلت الولاية إلى الجناح الشيعيّ من الأمة، مع الثورة الايرانية ووهج الامام الخميني ومقولاته.

نحن إذاً أمام صيغ إيديولوجية متعددة، لا واحدة. لكن المشترك بين هذه الصيغ، انها تحثّ على تحديد الاصطفاف، تاريخياً كان أو مرحلياً، في مقابل "السنّي"، مرة من موقع الدفاع عن وحدة العقائد الخلاصية، مهدوية ومسيحانية، في وجه شكل تاريخي مختلف من الوعي الديني والثقافي، ومرة من موقع الدفاع عن صورة الفلاح المقاتل في وجه "التاجر الجشع"، ومرة من موقع جمع شكل الأحقاد المراكمة من كل حدب وصوب، وبشكل احيائي لهذه الأحقاد ومع مفعول رجعي، وطبعاً، انطلاقاً من تاريخ مرير للجماعات المختلفة في هذه المنطقة، وهو تاريخ ما زال البوح به ممتنعاً، ما بين وابل من الرياء التجميليّ وضخّ لا آخر له من الانفعال التقبيحي.

لكن تاريخ الملل والنحل والعلاقات والمطاعن في ما بينها في هذه المنطقة شيء، وما يحدث تحديداً في طول وعرض "الهلال الخصيب" أو "سوريا الطبيعية" منذ عقد كامل شيء آخر تماماً. صحيح وبلا ريب، أنه في مناطق أخرى من العالمين العربي والاسلامي فإن الأمور مختلفة رأساً على عقب، لكنها في العراق، وسوريا، ولبنان، باتت أكثر من واضحة: هناك صيغ إيديولوجية تحريضية وسياسات اقصائية او اضطهادية منهجية متواصلة، ومترابطة في هذه البلدان الثلاثة ضد دائرة واسعة من المواطنين السنّة.

ان زحمة النتائج المترتبة عن هزيمة الانتفاضة الثانية في فلسطين، والاحتلال الأميركي التمييزي بين الطوائف في العراق، واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وصولا إلى احداث ايار في لبنان، قد ادى بالفعل إلى نشأة "المسألةالسنّية" في المشرق العربي: في هذه البلدان الثلاثة، السنّة المعتدلون يحاربون لأنهم معتدلون، فيجابهون بخطاب تخويني "معاد للامبريالية وعملائها"، والسنّة المتطرّفون يحاربون لأنهم متطرّفون، فتستخدم ضدّهم مقولات عتاة المحافظين الجدد نفسها، ولو جرت على لسان حسن نصر الله. بل ان "حزب الله" لم يجد أفضل من تقسيم السنّة اللبنانيين إلى ثلاثة أقسام، قسم يُستهدف لاعتداله، وقسم يُستهدف لتطرّفه، وقسم ثالث هم "سنة آذار" يمكن ادخالهم في تحالف الأقليات!

طبعاً تشكّل "حماس" استثناء كبيراً في هذا الاطار، نظراً إلى أن الهدف الأساسي كان انتزاع الشرعية المعنوية من ياسر عرفات. لكن "حماس" نفسها أخذت منذ سنتين على الأقل، تتحسس عدم انسجامها مع "حلف الأقليات" الذي هي حكماً مدعوة للانضمام اليه، ولو كانت تنتمي إلى الأكثرية المذهبية، فالمراد كان اقتطاعها من هذه الاكثرية والسعي إلى تنمية خواص ثقافية وعقائدية ترسّخ الافتراق السياسي، لكن الأمور تطوّرت بشكل اكثر تعقيداً في هذا الجانب.

بيد ان المؤسف حتى الآن، انه في ظل انماط من الخطاب سائدة وتخيّرنا ما بين الرياء التجميلي لواقع العلاقة بين المجموعات المختلفة وبين انفعال تقبيحي تحريضي على طول الخط، فإن وعي "المسألة السنّية" لم يصل بعد إلى المنزلة المطلوبة لكي يكون وعياً بضرورة فهم المشكلة الكيانية، العراقية والسورية واللبنانية، التي تشكّل "المسألة السنّية" مظهراً مقابلاً لها. يعني ذلك سياسياً الآن، ان اهل السنّة أمام تحدّي انتاج وعي سني للمسألة السنّية، في المشترك الذي تظهره فيه، اقصاء ومطاردة من حكومة نوري المالكي في العراق (ما دفع حتى إلى نشأة شعور سني عربي كردي مشترك في العراق، وهو ما كان يبدو مستحيلا قبل سنوات معدودة)، ومجازر ضد الانسانية بنكهة مذهبية من قبل نظام آل الأسد في سوريا، وإخلال فظ بميثاق العيش المشترك في لبنان.

اللاسنّية هي اليوم الاسم الآخر للممانعة المُدارة من طهران .. لكن الأهم من ذلك تبيان ان المسألة السنّية هي الوجه الآخر للمشكلة الكيانية في العراق وسوريا ولبنان…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل