وسط تلاحق الأحداث في طرابلس التي تنبئ بكثير من الاحتمالات، تحوّل المشهد العابق بالعنف والفوضى فتنة مذهبية تطيح ما تبقى من اتفاق الدوحة، الذي لم ينفذ في بيروت أو في عاصمة الشمال، من جراء استمرار التسلح المنظم في المدينة…
هذا التسلح المنظم ظهر في الأمس غابة من المسلحين، في خليط لا يُعرف طرف رأس الخيط فيه من آخره، تتسارع جهود النظام السوري وحلفائه لنقل صورة هذا النزاع المذهبي الى لبنان الشمالي، بما يشبه تصدير الأزمة الى خارج سوريا على قاعدة إنشاء تحالف في وجه "القاعدة" والإرهاب، وفق أصول التعاطي معها معركة واحدة.
بهذا المعنى تُصبح طرابلس كحمص نسخة عن قندهار، ويصبح أهلها إرهابيين، ويصبح التعامل معهم وفقاً لآخر نظريات الممانعين، بمقياس مزيج من بث الكراهية، وتزوير الأحداث.
وليس صعباً توقّع ما تركته مشاهد المسلحين الإسلاميين وغير الإسلاميين على الرأي العام الـ 14 آذاري من نتائج، فقوى 14 آذار، ولا سيما منها الإسلامية والطرابلسية، لم تكن منذ البداية إلّا في خانة الشراكة الوطنية، والانتماء الى "ثورة الأرز" التي نزل فيها أهل طرابلس بعشرات الآلاف الى وسط بيروت، في تظاهرات شعبية كانت الأرقى في تاريخ لبنان، حتى صحّ القول إنّ طرابلس كانت دائماً خزّان هذه الثورة، وأن أهلها كانوا رافداً لم ينقطع، خصوصاً أن هذه المدينة عانت في زمن الوصاية ما يوازي أو يفوق ما عانته مدن لبنانية أخرى.
بين 14 آذار 2005 و7 أيار 2008 تغيرت أشياء كثيرة في المدينة، ضعف الاقتناع بجدوى التظاهرات السلمية لـ 14 آذار، سقط الرهان على فوز في الانتخابات قادر على استعادة سلطة الدولة، وسارت بنحو موازٍ عملية تسليح منظم للقوى الحليفة لـ"حزب الله" في قلب المدينة، وتم الردّ عليها بإنشاء تشكيلات مسلحة، ما لبثت ان توزعت الولاءات على قاعدة من يدفع أكثر لبعض المرجعيات الرسمية وغير الرسمية التي أعدت جداول لرواتب ولشراء السلاح تحت أنظار الشرعية الغائبة.
ويخطئ من يظن أن الظهور المسلّح في شوارع طرابلس كان مصدره طرف واحد، فالمسلحون معروف من يموّلهم، وإذا كان هناك من قاسم مشترك بينهم، فهو النظرة المشتركة الى ضرورة مساعدة الثورة السورية، ذلك عبر التوحد ضد سلاح في بعل محسن يتحدث بصوت النظام السوري، وآخر في طرابلس يموّله "حزب الله"، ولم تكن تحتاج طرابلس للاشتعال أكثر من عود ثقاب متمثّل باعتقال شادي المولوي.
وإزاء ما حصل من استدراج مفتعل لفتنة تنقل مشهد حمص الى طرابلس، هل ما زال من الممكن التحدّث عن دور لقوى 14 آذار في إعادة إمساك المبادرة، وسحب البساط من تحت هذه الخطة التي أعدت بخبث، لتصدير أزمة النظام السوري الى لبنان؟
ما زال ذلك ممكناً من خلال محاصرة حكومة النأي بالنفس، وتحميلها ومن يدعمها مسؤولية التلكؤ، بداعي العجز والتهرّب والارتباط بأجندة النظام السوري، وتحميلها ايضاً مسؤولية عدم السير في الخطة ـ التحدي التي طرحتها قوى 14 آذار الداعية الى سحب السلاح من كل من يحمل السلاح، والى تنفيذ خطة أمنية للمدينة بعد إصدار قرار سياسي غير ملتبس للجيش بضرب كل من ينزل الى الشارع بالسلاح. كما أن ذلك ما زال ممكناً من خلال الضغط على هذه الحكومة، لتكليف الجيش ضبط الحدود اللبنانية، وتسجيل الانتهاكات التي يقوم بها النظام السوري، كما أنه من الممكن التوجه الى المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية لتسجيل هذه الانتهاكات وحصد الدعم اللازم لعدم تكرارها، وليس من الصعب تنظيم تحرك لأهالي البلدات الحدودية والبقاعية التي تعرضت للانتهاكات لشرح ما يتكرر حصوله معهم.
من دون ذلك سينجح النظام وحلفاؤه اللبنانيون في اختزال 14 آذار بفتنة مذهبية في طرابلس، هي اكثر ما يحتاجه بعدما اعتقد انه نجح داخل سوريا في تعميم النموذج إيّاه، ليدّعي أمام العالم أنه يحارب إرهاباً يلبس لبوس الربيع.