#dfp #adsense

لمصلحة مَن الصورة السلفيّة لـ«طرابلس الشام»؟

حجم الخط

أخطر ما في طرابلس هو أنّ لحظة التوتّر فيها مضبوطة على الساعة السوريّة. ويبدو مخيفاً أن «تنفجر» الحالة السلفية في هذه المدينة التي يهوى البعض تسميتها «طرابلس الشام»، بالتزامن مع الانفجارات الانتحارية التي وقعت في الشام عينها، والتي تبنّتها «جبهة النصرة».
 
من سوء الحظّ أن يتزامن التوتّر الحاصل في طرابلس مع الذكرى الرابعة لأحداث 7 أيّار 2008. فهي المدينة المعروفة بأنّها الأكثر تفاعلاً مع الحالات السلفية. وليس جديداً ولا مستغرباً القول بوجود تواصل بين السلفيّين في لبنان وسوريا، لأنّ الرابط الاجتماعي والإنساني والديني وحتى السياسي تاريخيّ، وتشكّل طرابلس وعكّار وجوارهما السنّي إطاراً طبيعيّاً له. لكنّ المأزق يكمن في الكلام المثار حول الترابط الأمني.

ولكن، أيّاً يكن الدور الذي يضطلع به السلفيّون في المجتمع الطرابلسي، فإنّ ما جرى في المدينة يعطي صورة مضخّمة عن الحجم الحقيقي للسلفية السنّية فيها.

والانتخابات النيابية والبلدية المتتالية لم تُظهر أنّ قرار طرابلس في يد السلفيين. فهذه المدينة هي أيضاً عاصمة للبرجوازية السنّية على مستوى البيوتات التقليدية ورجال الأعمال، ومن هؤلاء رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والطاقم الوافر من الوزراء الذين حظي بهم التمثيل الطرابلسي في الحكومة.

لكنّ هذه الطبقة من السياسيّين بدت في الأيّام الأخيرة، إمّا صامتة، وإمّا مُحرَجة، في إطلاق المواقف ممّا يجري.

وثمّة حسابات سياسية تتحكّم بمواقف السياسيّين السنّة في طرابلس، مع اقتراب الانتخابات النيابية بسبب حِرص كلّ طرف على جذب ما أمكن من القواعد الشعبية.

وهذا الصمت والتردّد أظهر طرابلس وكأنّها مدينة للسلفيّين، على مسافة كيلومترات قليلة من الحدود مع سوريا.

وبدا كأنّ السياسيّين فيها لا دور فاعلاً لهم على الأرض، وأنّ الشارع يقوده السلفيّون إلى حدّ التجنيد في المواجهة على "خطّ التماس" مع جبل محسن.

ومن الممكن، إذا استمرّ التوتّر الذي يحمل طابعاً مذهبيّاً أيضاً، أن تتّسع الظاهرة السلفية لتصبح الأقوى في طرابلس، خصوصاً أنّ الزعامات السياسية في المدينة تتنافس على قاعدة شعبية محدودة، وتتقاسمها.

السنّة المعتدلون والوسطيّون

المشهد الطرابلسي تغيّر في بضعة أيّام، وتحوّلت طرابلس معقلاً سلفيّاً مقفلاً. فالسنّة المعتدلون كتيّار "المستقبل" يجلسون في المقاعد الخلفيّة للمسرح، والسنّة الوسطيّون شركاء 8 آذار في السلطة تلقّوا ضربة ويعيشون وضعاً محرجاً. وأصبحت طرابلس ساحة لا يتحرّك فيها سوى السلفيّين، يقطعون طرقها ويعتصمون في ساحاتها ويشتبكون مع الجوار مذهبيّاً.

وبهذا المعنى باتت صورة طرابلس شبيهة بالصورة التي يُراد فيها تظهير صورة حمص ومدن سوريّة أخرى، ذات غالبية سنّية.

فهل هذا هو المشهد الذي يُراد في سوريا تظهيره عن أكبر مدينة للسنّة في لبنان، فيما كانت البيانات تصدر عن "جبهة النصرة"، معلنةً المسؤوليّة عن أعنف التفجيرات الانتحارية، وفيما بدأ الأميركيّون، من خلال وزير الدفاع ليون بانيتا، إضافة إلى مسؤولين غربيّين آخرين، يتحدّثون عن دور محتمل لـ"القاعدة" في هذه التفجيرات.

هناك مَن أراد القول: هؤلاء هم السنّة في لبنان كما في سوريا، وهذه هي طرابلس كما جارتها حمص. وهذا هو معقل الإرهاب السلفي في جوار "نهر البارد" المدمّر.

إنّها "الفزّاعة" المُثلى للغربيّين والأنظمة العربية الخائفة من "القاعدة". وصورة طرابلس السلفيّة، حيث السياسيّون يظهرون بعيدين عن "الأرض"، هي التي يُراد بيعها للغرب في اللحظة التي برز فيها تفهّم غربيّ للنظام في دمشق، كـ"نظام غير ديني" في مواجهة "الإرهاب السلفي".

والصورة السلفية لـ"طرابلس الشام" مطلوبة مرّة أخرى في خدمة أهداف أخرى. ويصبح مثيراً الكلام على الحجم الذي سيكون عليه السلفيّون في طرابلس، وربّما سواها، عند حلول الانتخابات النيابية بعد عام، خصوصاً إذا بقي الحصار قائماً على القيادة السنّية الأساسية، أي تيار "المستقبل".

وفي ظلّ المعطيات التي سيفرضها تطوّر الملفّ السوري في خلال السنة المقبلة، يبقى السؤال عن الجهة التي قد تستثمر "السلفية" اليوم كما فعلت دائماً.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل