عكست الأحداث الأمنية في طرابلس مفهوماً واقعياً لما سبق التحذير منه يوم قالوا ولايزالون يلوحون بانتقال عدوى المصادمات داخل سوريا الى محيطها. وهذا محسوب بدقة متناهية لدى بعض من يهمه ابعاد الأنظار عن المجازر التي يرتكبها نظام الرئيس بشار الاسد، فضلاً عن قول حلفاء سوريا في لبنان ان «أمورنا الداخلية قابلة للانفجار كترجمة تقليدية لأوامر المهمة المجربة محلياً منذ عشرات الستين»!
أما أولئك الذين ادعوا ان لبنان يعاني من خطر ممارسات تنظيم القاعدة، فإنهم اكتفوا بالاتهام من دون ان يقدموا دلائل ملموسة، باستثناء المزاعم المتدفقة من بعض قادة أحزاب 8 آذار، ليبرروا نهجهم التحريضي على الدولة التي لم يقدروا على الغائها من ضمن مخطط وضع اليد على السلطة، خصوصاً ان المجلس الأعلى للدفاع لم يقدر على إصدار أمر عسكري جدي ودستوري لوقف الاشتباكات في عاصمة الشمال بحجة ان تدخل الجيش يحتاج الى غطاء سياسي من أولئك الذين لم يوفروا الجيش في السابق وحالياً، بعكس ما كان منتظراً لجهة فرض حظر التجول ودخول المدينة من دون طلب اذن من أحد!
والذين يدعون زوراً أنهم مع الجيش لم يقدروا على حجب رصاصهم عن القوى العسكرية قبل وقف النار او بعده، لأن «دود الخل منه وفيه»، أي ان الذين أطلقوا النار في أكثر من اتجاه لم يعيروا انتباهاً لما أدت وتؤدي اليه أعمالهم، حتى وان كان المقصود دعم إجراءات الدولة للاستمرار في توقيف عدد كبير من التنظيمات الاسلامية بتهمة تشكيل تجمعات أصولية بما في ذلك الانتماء الى القاعدة وهؤلاء قابعون في السجون ومن دون محاكمة حيث لا سابقة لمثل هذا التصرف اللاقانوني واللادستوري، باستثناء رغبة البعض في الداخل وفي الخارج لابقاء هذا الجرح نازفاً (…) ومانعاً لتثبيت الاستقرار في مجموعة مجالات سياسية وأمنية!
أما وقد انتشر الجيش والقوى الأمنية في عدد من مناطق طرابلس، فإن ذلك وان جنب المدينة المزيد من حوارات الدم، فقد لا يستمر طويلاً لأن عوامل التوتير قائمة ومستمرة وليس من بوسعه وقفها عند حدها خصوصاً ان المحسوبين على النظام السوري قد فهموا خطوة انتشار الجيش وكأنها لمصلحتهم، حيث باتوا في واقع من نال الاعتراف بهم، أي أنهم أصبحوا أمراً واقعاً من الصعب على أي كان محاسبتهم!
فالضحايا الذين قضوا بفعل جهل الدولة ومؤسساتها الوسائل التي تكفل السلام العام للبلد وللمواطنين، فإنهم بنظر البعض مجرد أرقام في حال كانوا مدنيين او عسكريين، طالما ان الجميع لم يعد يأتي على ذكر ما لحق بالجيش والقوى الأمنية من خسائر في عملية مخيم البارد التي انتهت وكأنها لم تكن، حيث لم يتعلم منها أحد، باستثناء ترداد نغمة اتهام الأصوليين وما أحسنها من تهمة بوسع مؤسسات الدولة استخدامها عندما يحلو لبعضهم التلطي وراءها ليبرر ما يلحق بالبلد من خسائر بشرية ومادية ومعنوية!
والذين انتقدوا الجيش ومعه الحكومة لجهة التقاعس عن ضبط الحدود مع سوريا، فإن نظرتهم الى واقع الحال في طرابلس، لا تختلف عما حصل في المدينة طالما ان جيشنا مسيس حتى العظم. وهناك سابقة الصدام مع حزب الله في منطقة الضاحية انتهت باعتذار علني وباعتبار ضحايا الحزب من شهداء الجيش والبقية تأتي، ليس لأننا في وضع مختلف، بل لأن الحكومة كسلطة لا تبدو مقتنعة بما حصل ويحصل لتكشر عن أنيابها ولو لمرة واحدة!
قيل في اليوم الرابع للأحداث في طرابلس ان الغطاء السياسي قد سمح بانتشار الجيش والقوى الأمنية، من دون ان يفصح أحد عن ماهية الغطاء، حيث قيل ان المسلحين هم من تبرع بإعطاء الغطاء، ولا حاجة لسؤال أي سياسي عن أمكان ضمان استمرار وقف النار ومنع تجدد الاشتباكات لأنها ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة؟؟