يبدو أن مدينة طرابلس لا تستحق أكثر من نصف ساعة يخصصها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لمعالجة أوضاعها، وهو الذي زارها لفترة وجيزة وبشكل عاجل قبل ظهر السبت الماضي، ليجري التركيز على الزيارة "الحدث" أكثر مما يفترض على المدينة لمعالجة مشكلاتها، وهي التي تعيش في أجواء صعبة جدا أشبه بحرب تشن على كل ابنائها. الا تستحق هذه المدينة أن "يعتكف" فيها حتى يعاد الاعتبار الى من هدرت كراماتهم، ويعمل لوقف آلة القتل الدائرة وسفك دماء أبنائها الاطهار، ووقف حركة النزوح الكثيفة، ورفع الظلم الكامن على صدور المئات من شبابها، وإبعاد الشلل الذي يخيم عليها وعلى كل مرافقها ومؤسساتها؟ الا تستحق هذه المدينة أن ينتصر لرجالاتها ويقف الى جانبهم في محنتهم ومعاناتهم؟ أم أن أسلوب ونهج النأي بالنفس عن كل ما يجري ما زال هو الخيار الامثل؟ فـ"نكبة" طرابلس الكبرى هي في نأي المسؤولين عنها.
منذ أن تشكلت هذه الحكومة " حكومة اللون الواحد"، والتي نعتت بشتى الصفات، ونالت طرابلس حصة وازنة فيها، رئيسا واربعة وزراء مدججين بحقائب سيادية، لم تستطع أن تجد موطئ قدم لها في طرابلس، بل على العكس بدت في حالة طلاق كامل مع الرأي العام الذي لم يستسغ تركيبتها، ولم يتمكن لا الرئيس ولا الوزراء منذ أكثر من سنة ترك بصمة واحدة في مسيرة المدينة ونهضتها، طرابلس اليوم تستنجد وتستغيث ولا من مغيث لها، اذ لا يوجد أثر للحكومة ولا لوزراء من طرابلس، فالحكومة غائبة عن اساس وجودها وهو تأمين الامن والاستقرار للمواطنين، والحكومة غائبة عن طرابلس لأن الامور خارجة عن سيطرتها وهي بيد الاجهزة الامنية، التي تعيش في صراعات متعددة بين العديد من أجهزتها. وما الحديث المتكرر عن وضع الجيش في مواجهة ابناء المدينة الا من ضمن هذا التوجه، الذي صُمم وفقاً لمخطط لاستدراج الناس الى خوض اشتباكات مع الاجهزة الامنية وجعل طرابلس مدينة متطرفة، عكس الواقع المعروف عنها بأنها مدينة منفتحة آمنة تحب العيش وتهوى السلام والاستقرار، ويتمسك أبناؤها بكل المؤسسات الرسمية وفي مقدمها الجيش اللبناني الذي يطالبونه يوميا ببسط سلطته في كل الارجاء، ويذهبون أكثر باتجاه العمل لسحب كل السلاح غير الشرعي المنتشر بشكل كثيف في المدينة والجوار.
لقد سقطت هيبة الحكومة منذ اليوم الاول على انقلابها، وما برحت تخسر في كل يوم، وهي التي أصيبت بأمراض "خبيثة" لم تستطع معالجتها بفعل المناعة المفقودة أصلا لديها، لتأتي عملية توقيف الشاب شادي مولوي وبالطريقة التي تمت في مكتب الوزير محمد الصفدي الاجتماعي في طرابلس لتقضي على ما تبقّى من هيبة أو كرامة، والسؤال الذي يطرح نفسه "ألم يكن بالإمكان استدراج مولوي بعيدا عن توريط الصفدي بشكل مباشر، وهو الذي ما زال يحاول ابعاد تهمة ارتباطه مع "حزب الله"؟
ما حصل في طرابلس يعكس حجم الإرباك الذي وقعت فيه الحكومة، وحاولت أن تخرج منه من خلال دعوة المجلس الأعلى للدفاع للاجتماع في قصر بعبدا. هكذا، توقيف مواطن يؤدّي إلى اجتماع المجلس الأعلى للدفاع لتفادي انفجار العاصمة الثانية، حتى ان قراراته ترنحت كثيرا وربما بقيت حبرا على ورق.
هكذا وبكل بساطة تبدو الحكومة غير مؤهلة لادارة أي شيء، فكيف سيأتمنها الناس على شؤونهم وعلى حمايتهم وتأمين سلامتهم؟ إن رئيس الحكومة ومعه وزراء طرابلس يكابرون، فهم لم يتركوا أثرا في حياة المدينة إنمائيا فأنّى لهم أن يساعدوا في حل قضاياها الامنية التي باتت لا تعد ولا تحصى؟ فاذا كان رئيس الحكومة غير قادر على معالجة المشكلات في بيته، وسقطت هيبته في طرابلس وكرامة وزيره، فما هي أسباب بقائه؟ أي هيبة تبقى وكرامة أهل بيته تنتهك، وتراق دماء أبناء طرابلس ظلما، ولا من منجد أو مغيث؟ فاذا كانت طرابلس لا تستحق أن يعتكف فيها لإنقاذها مما يحضر لها، وأهلها لا يستحقون العيش بكرامة وأمان، فمن الاجدر ان تواجه قدرها من دون مسؤولين يُفروض عليها.
ولعل الذكرى في هذا المجال تنفع! ففي أثناء المصالحة الشهيرة ابان الاحداث الماضية عام 2008 في منزل مفتي طرابلس مالك الشعار، وفي أحد البنود التي حملتها الوثيقة يومها بإنشاء صندوق لإنماء منطقة التبانة، كان أن تبرع له الرئيس سعد الحريري بربع مليون دولار، على أن يتكفل المسؤولان الطرابلسيان "ميقاتي- الصفدي" بالتبرع بما تيسر لهما،انطلاقا من مقولة أهل الدار أولى بإنمائها، لإنقاذ التبانة مما تتخبط فيه، وما زال الصندوق ينتظر، والتبانة تنتظر قدرها.. الى متى؟