#adsense

كلّ عام ولك الغبطة

حجم الخط

من كان مذهبه المحبة والبسمة الدائمة، هو مشدود دائما الى دائرة الضوء، ومربوط حتما بالقمم. البطريرك صفير أتقن الطيبة وهي رزقه، نحبّه لأنّ الدنيا لم تفقده حسّ الحياة، بل ظلّ للقلب في دياره غير هيكل ومحراب. هو واسطورة العملقة رفيقا صبا، ألفت بينهما جرأة وأيّام عناء. لقد عرف أنّ أجزل ما يقدّم للناس بعض من القلب، فسخا به حتى عمق النبض.

على شفتيه في التسعين، سكّرة لا تذوب، فالحلاوة والنداوة والطراوة مزمنات. مواقفه في صعب المفاصل الوطنيّة، تداوى بها بشاعة مواقف الترابيّين من ممتهني السياسة، أو هي مزج بين الكبرياء والثبات، فكأنّها عصارات ربيع في كأس ذهب.

حياته واضحة لم تكتنفها الأسرار: تواضع جمّ، تجرد عن الذات، بساطة في التصرّف، وهي صفات من كوّن بالقيم وجبل بالمناقب فتألّق متلمّسا وجه الله ونور الحقيقية. ولكم سمت به صلاته الى مناسك المتصوّفين ومراتع الأصفياء، حيث يضيء إيمانه وتمتدّ مناجاته، فإذا صفاوة الحياة عنده تعانق مباهج الروح في وفاق قدسي. إنّ التوهّج الطوباوي لديه أغفاه عن تصفيق العالم، فاكتفى بزاوية يشاهد منها الحقيقة: إنّه التلذّذ بطعم الحقيقة على أطباق فردوسيّة.

البطريرك صفير لم يختصر شوط المجد في الفجر من أيّامه، بل أدركه الأصيل وهو يمتشق المجد. هو لم يحترق ليضيء في زاوية، بل أضاء أفقا ولا احتراق، شأنه شأن المنارات.

علّمنا رفض أن نكون موعودين بالجلجلة، فقارب في القدر روّاد الشعوب الذين عدّهم
عدّ الأصابع، وفعاليّتهم فعاليّة أمم. هو لم يتقاعد بعد تغيير، ولم تتقلّص في نهوضه الى الإرشاد مساحته العريضة. فبقي هو هو، وبقي محبّوه حيث كانوا، يتزاحمون على قلبه، فالمورد العذب كثير الزحام.

يا سيّدي، عزاؤنا في زمن الجحود والصدأ، أنك موجود لنقول لك: لسنين طويلة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل