مرةً جديدة تنفجرُ الأوضاعُ في عاصمة الشمال، ومرةً جديدة تسقطُ باقةٌ من القتلى والجرحى، ويتحول الجيش والقوى الأمنية الى قوة فصلِ نزاع بين المتقاتلين. ومرةً جديدة يُعتمد الأمن بالتراضي، وينجو المجرم بفعلته ويبقى السلاح بيد الناس وتتظاهر السلطة وكأن شيئا لم يكن، بانتظار حمامِ دمٍ جديد.
إبقاءُ السلاح بيدِ قوىً غيرِ شرعيةٍ سيُبقي النارَ تحتَ الرماد، والجولةُ المقبلةُ ستكونَ أكثرَ عنفاً. إنَّ عدمَ اتخاذِ الحكومة قراراً حازماً في شأنِ مصادرةِ سلاحِ المتقاتلينَ يُشكل هروبا الى الأمام، لأن التغاضي عن هذه المسألة سيؤدي عاجلا أم آجلا الى انهيار الهيكل على رؤوس الجميع. إن نأيَ الحكومة بنفسها عن مسؤولياتها لا يحلُّ المشاكل ولا يُلغيها بل يُفاقِمُها حتى الإنفجار.
إن الحكومة مدعوة الى تفويض الجيشِ جمعَ السلاح وخصوصا في طرابلس والشمال لأن تطوّر الأحداث في سوريا واحتمال اتخاذها منحىً مذهبياً، سيورطان لبنانَ في ما لا تُحمَدُ عُقباه.
أما الحلُّ الذي اعتُمد، والقاضي بسحب المسلحين المنتشرين في الاحياء والمباني والطرقات فإنما يشكل تأجيلا للإنفجار الكبير ليس الا. فليس نشرُ الجيش للفصل بين المتقاتلين هو المطلوب وإنما المطلوب هو الإقتصاص ممن استهدف الجيش وممن عكّر الأمن وأطلق القذائف وأحرق ودمّر وقطع الطرقات… المطلوب أن يُكلّف الجيش بسحب السلاح وليس بسحب المسلحين.
ما معنى أن تهيء الإتصالات السياسية الأجواءَ لانتشار الجيش من دون التسبب بأي صدامات، الا يعني ذلك أن يستتب الأمن بالتراضي عبر استرضاء أطراف النزاع لتأمر بسحب مسلحيها ؟ إنه مظهر من مظاهر انحلال سلطة الدولة التي لا تسيطر على قرارها ولا تسود على أرضها.
فماذا لو لم يوافق المسلحون على الإنسحاب من الشارع، وماذا لو لم يقتنع الجميع بضرورة التهدئة، وماذا لو هاجم المسلحون قوة الفصل المؤلفة من الجيش اللبناني، ما كان موقف الحكومة ليكون إزاء كل ذلك؟
للذين فهموا رسالة لبنان في التوازن والتفاهم والحوار خطأ نوضح أن الحكم في بلد مثل لبنان لا يكون إلا بالتراضي، ولكن الأمن خصوصاً في بلد مثل لبنان جريمة أن يكون بالتراضي.