مع اندلاع كل معركة جديدة بين جبل محسن وباب التبانة، يواجه أهالي التبانة ميليشيا مدججة بالأسلحة وتقنيات القتال الحديثة، وهذه الميليشيا متمترسة في جبل محسن، تحت مسمى الحزب "العربي الديموقراطي" الذي يفرض سيطرته على المنطقة بالقوة، وقد استفاد من الدعم السوري له طوال عهد الوصاية، ليزيد قوة وتسلحاً، ويعمد الى استعراض عضلاته وإمطار التبانة الآمنة بوابل من رصاصه وقذائفه الصاروخية، ما يدفع أبناءها الى الرد بطريقة فردية غير منظمة وعفوية.
للحرب على باب التبانة من جبل محسن، وبينهما، فنون، ومن يشارك فيها ولا يعرف فنها، يعتبر من أولى الضحايا التي تسقط، ومهما اشتدت المعارك لن تصل الى مرحلة الحسم، لأن المطلوب كما يرسم "المايسترو" خارج الحدود، أن تبقى طرابلس ساحة حرب، ونافذة للصراعات الداخلية والإقليمية، تتصارع فيها الأجهزة والدول على أرض الفقراء والمنكوبين والمساكين.
يتردد كثيراً في الإعلام اسم "شارع سوريا" كخط تماس يفصل بين المتقاتلين الذين ينتشرون عند بدء كل جولة قتال، وترتفع في هذه الشارع الدشم والمتاريس والسواتر الترابية، وعندما تكتمل التحضيرات، تبدأ الحلقة الأولى من مسلسل القتال الذي يرعب الأهالي ويشل حركة المدينة.
أطراف النزاع معروفون، ففي جبل محسن هناك "العربي الديموقراطي" بزعامة رفعت علي عيد، الذي يشكل ميليشيا مسلحة تُعد من بين الميليشيات الكبرى في لبنان، ويتحدث الطرابلسيون عن احتواء مخازنه على كميات أسلحة لا تنضب، فالسوريون تركوا قبل رحيلهم من لبنان في العام 2005 ذراعاً عسكرية مسلحة.
يشارك في القتال الى جانب الحزب "العربي الديموقراطي" عناصر من "حزب الله". ففي العام 2008، وبعد غزوة 7 أيار واشتعال جبهات القتال في طرابلس، كان التقدم لمصلحة جبل محسن ومن ثم انقلبت الموازين وخاض أهالي التبانة والقبة بما تيسّر، معارك ضارية وصلوا نتيجتها لحدود قصر علي عيد، "لكن الخط الأحمر الإقليمي رُسم لهم، ودعاهم الى التراجع، وانتشرت صور المعارك على صفحات الانترنت إضافة الى عناصر حزب الله الذين تم تهريبهم بحماية رسمية"، كما يقول أهالي المنطقة المحاذية لخط "التماس" الجديد – القديم.
أما في الجهة المقابلة، فالوضع أكثر تعقيداً نتيجة وجود أكثر من مجموعة قتالية، تتركز عند "خطوط التماس" في التبانة والقبة وحي المنكوبين، الذي يقع على أطراف جبل محسن، بينما تشكل أبي سمرا منطقة الاحتياط التي تؤازر التبانة والقبة.
وينقل أحد المقاتلين لـ"المستقبل" طريقة التحرك وسير المعارك، ويتحدث عن أنه "في الأيام العادية تحصل مشاكل نتيجة فلتان الأمور، لكن عندما ترتفع وتيرة الاشتباكات، يبدأ المقاتلون بالتحرك في جبل محسن من قصر علي عيد، ويتم الاتصال بالكوادر العسكرية للحزب "الديموقراطي" الذي يبقى على أكمل جهوزية حتى في أيام السلم القليلة التي تنعم بها المدينة".
يقسم "العربي الديموقراطي" المجموعات التي تقاتل الى ثلاثين مجموعة بجسب العارفين في خفايا الحزب وتجهيزاته، وتتوزع فوراً على محاور القتال، بين التبانة والقبة ويُبقي حوالى 5 مجموعات احتياط داخل الجبل لتؤمن الدعم إذا حصل أي ضعف أو اختراق من إحدى الجبهات، ويستعمل المقاتلون وسائل اتصال متطورة تضاهي تلك التي تملكها الأجهزة الأمنية، ويقللون من استعمال الآليات في تنقلاتهم.
يعتمد المقاتلون في الجبل على استراتيجية القنص، ويستفيدون من عنصر الجغرافيا المساعد لهم ومن القناصات المتطورة التي بحوزتهم، فيملأون الأبنية بسرعة قياسية ويباشرون بالقنص الذي يطاول مناطق القبة والتبانة والزاهرية من دون أي وازع أخلاقي أو إنساني أو حتى أي مسوّغ حسي يبرر ذلك.
ومن جهة التبانة، يتحرك المقاتلون بشكل فردي وبغياب التنسيق نتيجة تعدد المجموعات القتالية، ويعتمدون في البداية على الاقتراب قدر الإمكان من الجبل لكن يواجهوا رصاصات القنص التي تردعهم، من ثم يلجأون الى إطلاق بعض القذائف وسلاحهم الأفعل والأقصى هو قذائف "الار بي جي".
بعد تثبيت جبهة التبانة، وصد الهجوم، ينتقل المقاتلون الى مهاجمة جبل محسن عبر ثلاثة محاور، محور التبانة صعوداً من دوار أبو علي، محور القبة، ومحور المنكوبين حيث تتمركز بعض الجماعات السلفية.
ففي التبانة يعمد المقاتلون الى التنقل بواسطة الدراجات النارية ويبتعدون عن استعمال السيارات كي لا تقع تحت مرمى نيران القناصة، ويعرفون صعوبة نجاح هجومهم وتحقيق أي اختراق، فيكون الهجوم لتشكيل ضغط فقط وتشتيت قوى الجبل، لأن الهجوم الاساسي هو من محور القبة والمنكوبين.
ففي القبة والمنكوبين يملأ المقاتلون الشوارع بسرعة فائقة. وفي القبة حيث مبنى الجامعة اللبنانية وقيادة منطقة الشمال في الجيش والمراكز الأمنية والسجون، يعتمد المقاتلون على سلاح الرشاشات الخفيفة وتنتقل المعركة لتصبح حرب شوارع من شارع الى شارع ومن بيت الى بيت، وتستعمل حتى المسدسات في بعض المعارك ويخف تأثير القنص.
ولا يخفي المقاتلون الأخطاء التي تحصل خلال احتدام المعارك، حيث يسقط العديد من القتلى والجرحى بنيران صديقة، ويُستعمل "عنصر" الفتيان في القتال، حيث يُنزل الطرفان فتياناً لا تتعدى أعمارهم الخمسة عشر عاماً الى ساحة المعركة.
عنصر الاستطلاع مهم في هكذا معارك، ومعظم المقاتلين من أبناء طرابلس يعرفون أحياءها جيداً، أما المشكلة فهي مع المقاتلين من خارج المنطقة، وهذا السبب الذي كبّد "حزب الله" عدداً كبيراً من الضحايا، ويعتبر أحد المقاتلين أن "الذي يسقط هو إما غريب عن المنطقة أو شاب غير متمرس في القتال".
هذه طريقة القتال في طرابلس، وإذا كان خط سيرها معروفاً، فإن مصادر وأسباب تغذيتها معروفة أيضاً، ولعل السبب الرئيسي هو غياب الدولة عن القيام بأبسط واجباتها في منطقة عانت الأمرّين من الحرب الأهلية التي ما زالت ظاهرة على أبنيتها وفي نفوس أبنائها.