"القاعدة" في لبنان موجودة غير موجودة!
التصدّي للإرهاب بين الواقع والتوظيف
منذ اثار وزير الدفاع فايز غصن موضوع وجود تنظيم "القاعدة" في لبنان والذي عملت الحكومة لاحقا على محاولات تبديده من خلال مواقف لوزير الداخلية مروان شربل ومسؤولين آخرين يعود الموضوع الى الواجهة مع كل استحقاق مشابه لذلك الذي طرحته الحوادث الامنية في طرابلس في الايام الاخيرة التي انطلقت على خلفية القبض على متورط مع هذا التنظيم. ومرة جديدة تتناقض مواقف المسؤولين في الحكومة وخارجها بحيث تبقى الامور غامضة حول صحة مدى وجود هذا التنظيم في لبنان او عدمه او مدى تغلغل عناصر تابعين له ربما على نحو مقصود وفق ما تعتقد اوساط سياسية بحيث يستفاد من الموضوع في بعض الاوقات لاهداف معينة. ويسيء هذا الامر للبنان في العمق على مستويات عدة باعتبار ان الامر يخيف اللبنانيين في الداخل والخارج كما يخيف الزوار اللبنانيين او الاجانب ما دام لا وضوح في هذا المسألة التي يعتقد انها باتت تأخذ ابعادا اخرى على وقع الازمة في سوريا كما انه امر مقلق ايضا بالنسبة نفسها في ظل ما تعتبره هذه الاوساط تعاطيا سطحيا وخفيفا من جانب السلطات بهذا الموضوع. اذ ان موضوع "القاعدة" في سوريا يأخذ الابعاد المعروفة على وقع محاولات النظام رمي المعارضة بتهمة "الارهاب" تجنبا للاعتراف بأن هناك معارضة لنظامه ويحاول تسويق فائدة استمراره لدى الدول الغربية تحديدا من زاوية صموده ضد محاولات اغراق سوريا بالفوضى على يد من يسميهم جماعات ارهابية. وهو امر تقر به الجهات الاستخبارية الاميركية التي رأت في انفجاري دمشق اخيرا بصمات "القاعدة" وكذلك الامر بالنسبة الى روسيا التي وافقت الاميركيين موقفهم او توصيفهم لهذه التفجيرات. وهذا التوصيف الاميركي والروسي لما جرى يخدم النظام، ولو ان الكلام الاميركي يقال من زاوية او من وجهة نظر اخرى على اساس ان هناك وجودا ارهابيا دخل على خط الازمة في سوريا التي ووفق وجهة النظر الاميركية كانت مسؤولة عنه ابان ازمة العراق ولبنان لكنه يهدد راهنا بزعزعة الامن فيها كما يهدد بانتشاره الى الدول المجاورة.
ما جرى في طرابلس حمل ملامح تصدير الازمة السورية بقوة بالنسبة الى هذه الاوساط السياسية ويحمل في طياته ابعادا سياسية قد تتضح بعد حين اكثر من الوقت الراهن ويمكن ان يستفيد منها كثر على حساب المدينة وأهلها وحتى على حساب لبنان. فطرابلس تواجه ما تواجهه لاعتبارات كثيرة وهي تغيرت كثيرا عما كانت عليه قبل الحرب في لبنان العام 1975 لكنها خضعت لتحولات لم تكن سوريا بعيدة عنها في زمن وصايتها على لبنان. ولذلك فإن هناك واقعا يمكن استغلاله بسهولة مع فارق اساسي ان استغلال موضوع وجود "القاعدة" في سوريا يخدم اهدافا معينة بغض النظر عن نسبة صحته او عدمها في حين ان لبنان الذي لا يستطيع عمليا ان ينجو من واقع تأثره بما يحصل في سوريا ولا من تصدير مشاكلها اليه او التنظيمات او سواها، يواجه انعكاسات خطيرة في حال استغلال هذا الموضوع على غير واقعه او الانسجام مع المنطق السوري في هذا الاطار. وتقول هذه الاوساط ان التحوط لموضوع "القاعدة" هو من ابسط الواجبات كما التصدي له على الا يكون خاضعا لاهداف سياسية لحسابات اقليمية او محلية وعلى الا يكون الشعار للمرحلة المقبلة كما كان شعار التصدي للعمالة مع اسرائيل والذي تم توظيفه طويلا في حالات بعيدة من الواقع ولاهداف سياسية وأمنية ايضا خصوصا ان هناك امورا كبيرة على المحك في لبنان ان على الصعيد الطوائفي خصوصا في موضوع المسيحيين او في موضوع الطوائف الاخرى او على صعيد وجود لبنان بصيغته الحالية. فهذا الموضوع حساس بحيث لا يستوي معه اطلاق السياسيين في لبنان الكلام على عواهنه في معرض تسجيل المواقف ضد الخصوم او خوض حملات انتخابية فحسب.